راديو أوريان
الرسالة الأوروبية تبدو كالتالي: “نستخدم الفحم عند الضرورة.. لكننا لا نريد البقاء معه”
العالم لن يعود إلى “عصر الفحم”.. لكنه لم يعد قادرًا على التخلي عنه بسرعة كما كان يعتقد
الفحم لم يعد “وقود الماضي” فقط، بل أصبح فجأة “تأمينًا ضد الأزمات”.
مع اضطراب إمدادات الغاز والنفط عبر الخليج، قفزت أسعار الغاز الطبيعي المسال في آسيا وأوروبا، فتحولت محطات الفحم القديمة من عبء بيئي إلى بديل اقتصادي مؤقت.
لماذا يهمّ هذا الآن؟
لأن العالم الذي كان يتحدث قبل أشهر عن “إغلاق آخر محطة فحم”، عاد فجأة يفتش عن أكثر أنواع الوقود تلويثًا لإنقاذ شبكاته الكهربائية.
الحرب على إيران، والتوتر حول مضيق هرمز، لم يرفعا فقط أسعار النفط والغاز، بل أعادا رسم خريطة الطاقة بالكامل.
والنتيجة: الفحم يعود إلى الواجهة كخيار طوارئ عالمي.
تقرير لصحيفة Financial Times وصف المشهد بوضوح: العالم لا يحب الفحم.. لكنه قد يضطر إليه.
الأرقام تكشف حجم التحول
- أسعار شحن الفحم ارتفعت بنحو 50% في مايو مقارنة بفبراير، وفق بيانات “أرغوس”.
- واردات الفحم العالمية مرشحة للوصول إلى 107 ملايين طن، ثالث أعلى مستوى لشهر مايو منذ 2017.
- سعر الفحم الحراري الآسيوي قفز من نحو 110 دولارات للطن إلى ما يقارب 135 دولارًا خلال أسابيع قليلة.
- بعض السيناريوهات تتوقع وصول الأسعار إلى 160 دولارًا للطن إذا استمرت اضطرابات هرمز.
المفارقة أن الفحم، رغم تلوثه، أصبح أرخص نسبيًا من الغاز في بعض الأسواق الآسيوية بعد صدمة الإمدادات.
آسيا تسابق الزمن قبل الصيف
مضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري.
إنه شريان تمر عبره نسبة ضخمة من تجارة النفط والغاز العالمية.
أي تهديد للإمدادات هناك يخلق ثلاث موجات متتابعة:
- ارتفاع أسعار الغاز.
- ارتفاع تكاليف الكهرباء.
- عودة سريعة للفحم كبديل جاهز.
وهذا ما حدث فعلاً.
في آسيا تحديدًا، بدأت الحكومات تتحرك بسرعة لحماية شبكات الكهرباء قبل ذروة الصيف:
- تايلاند أعادت تشغيل محطات فحم متوقفة رغم تعهداتها المناخية.
- كوريا الجنوبية رفعت إنتاج الكهرباء من الفحم بأكثر من 4 غيغاواط مقارنة بالعام الماضي.
- اليابان وفيتنام زادتا الاعتماد على الفحم خلال الشهرين الماضيين.
- الصين، أكبر مستهلك للفحم في العالم، رفعت الطلب على الفحم لتوليد الكهرباء والصناعات الكيماوية.
- الهند عززت مشترياتها الاستباقية خوفًا من أي صدمة إضافية في الغاز.
ببساطة: عندما تصبح الكهرباء مهددة، تتراجع الاعتبارات البيئية خطوة إلى الخلف.
أوروبا لا تريد العودة للفحم
في أوروبا، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. صحيح أن بعض الدول الأوروبية أعادت تشغيل محطات فحم مؤقتًا منذ أزمات الطاقة المتلاحقة، لكن القارة لا ترى الفحم كخيار استراتيجي طويل الأمد.
بدلًا من ذلك، بدأت دول أوروبية عديدة إحياء الخيار النووي، وهو المسار الذي دافعت عنه فرنسا لعقود باعتباره الضامن الحقيقي لاستقلال الطاقة وتقليل الانبعاثات في الوقت نفسه.
باريس تعتبر أن أزمة الغاز الروسية ثم اضطرابات الشرق الأوسط أثبتت هشاشة الاعتماد المفرط على الغاز المستورد، لذلك دفعت بقوة داخل الاتحاد الأوروبي لإعادة الاعتراف بالطاقة النووية كمصدر “أخضر استراتيجي”.
اليوم، دول مثل بلجيكا والسويد وهولندا بدأت تمدد عمر مفاعلاتها النووية أو تعيد فتح النقاش حول بناء مفاعلات جديدة.
حتى المانيا، التي كانت رأس الحربة في الخروج من النووي، تواجه ضغوطًا سياسية واقتصادية لإعادة النظر في خياراتها الطاقية بعد الارتفاعات القياسية في أسعار الكهرباء.
بكلمات أخرى: أوروبا قد تستخدم الفحم كمسكن مؤقت، لكنها ترى أن الحل الاستراتيجي الحقيقي هو “نووي أكثر.. وغاز أقل”.
هل العالم يتراجع عن تعهدات المناخ؟
ليس بالكامل.. لكن الأولويات تغيرت مؤقتًا.
هنا يظهر الصراع الحقيقي:
أمن الطاقة
ضمان عدم انقطاع الكهرباء مهما كان الثمن.
التحول الأخضر
خفض الانبعاثات وتحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ.
في الأزمات، تنتصر الأولوية الأولى غالبًا.
لكن المفارقة أن الأزمة نفسها قد تدفع لاحقًا لتسريع الطاقة النظيفة، لا العكس.
لماذا؟
لأن الحكومات بدأت تدرك هشاشة الاعتماد على النفط والغاز المستوردين.
كل صدمة جيوسياسية تعني ارتفاعًا في الأسعار، وتوترًا في الأسواق، وضغطًا سياسيًا داخليًا.
لذلك، بينما تعود بعض محطات الفحم الآن، تتحرك الاستثمارات أيضًا بقوة نحو:
- الطاقة الشمسية
- الرياح
- النووي
- الهيدروجين الأخضر
- تخزين الكهرباء
أي أن الفحم قد يعود تكتيكيًا.. لكنه لا يستعيد مكانته الاستراتيجية القديمة.
اذاً العالم لن يعود إلى “عصر الفحم” بالكامل.
لكن العالم أيضًا لم يعد قادرًا على التخلي عنه بسرعة كما كان يعتقد.
الفحم يتحول الآن إلى “وقود الطوارئ العالمي”:
يختفي في أوقات الاستقرار.. ويعود فور الأزمات.
راديو أوريان
الرسالة الأوروبية تبدو كالتالي: “نستخدم الفحم عند الضرورة.. لكننا لا نريد البقاء معه”
العالم لن يعود إلى “عصر الفحم”.. لكنه لم يعد قادرًا على التخلي عنه بسرعة كما كان يعتقد
الفحم لم يعد “وقود الماضي” فقط، بل أصبح فجأة “تأمينًا ضد الأزمات”.
مع اضطراب إمدادات الغاز والنفط عبر الخليج، قفزت أسعار الغاز الطبيعي المسال في آسيا وأوروبا، فتحولت محطات الفحم القديمة من عبء بيئي إلى بديل اقتصادي مؤقت.
لماذا يهمّ هذا الآن؟
لأن العالم الذي كان يتحدث قبل أشهر عن “إغلاق آخر محطة فحم”، عاد فجأة يفتش عن أكثر أنواع الوقود تلويثًا لإنقاذ شبكاته الكهربائية.
الحرب على إيران، والتوتر حول مضيق هرمز، لم يرفعا فقط أسعار النفط والغاز، بل أعادا رسم خريطة الطاقة بالكامل.
والنتيجة: الفحم يعود إلى الواجهة كخيار طوارئ عالمي.
تقرير لصحيفة Financial Times وصف المشهد بوضوح: العالم لا يحب الفحم.. لكنه قد يضطر إليه.
الأرقام تكشف حجم التحول
- أسعار شحن الفحم ارتفعت بنحو 50% في مايو مقارنة بفبراير، وفق بيانات “أرغوس”.
- واردات الفحم العالمية مرشحة للوصول إلى 107 ملايين طن، ثالث أعلى مستوى لشهر مايو منذ 2017.
- سعر الفحم الحراري الآسيوي قفز من نحو 110 دولارات للطن إلى ما يقارب 135 دولارًا خلال أسابيع قليلة.
- بعض السيناريوهات تتوقع وصول الأسعار إلى 160 دولارًا للطن إذا استمرت اضطرابات هرمز.
المفارقة أن الفحم، رغم تلوثه، أصبح أرخص نسبيًا من الغاز في بعض الأسواق الآسيوية بعد صدمة الإمدادات.
آسيا تسابق الزمن قبل الصيف
مضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري.
إنه شريان تمر عبره نسبة ضخمة من تجارة النفط والغاز العالمية.
أي تهديد للإمدادات هناك يخلق ثلاث موجات متتابعة:
- ارتفاع أسعار الغاز.
- ارتفاع تكاليف الكهرباء.
- عودة سريعة للفحم كبديل جاهز.
وهذا ما حدث فعلاً.
في آسيا تحديدًا، بدأت الحكومات تتحرك بسرعة لحماية شبكات الكهرباء قبل ذروة الصيف:
- تايلاند أعادت تشغيل محطات فحم متوقفة رغم تعهداتها المناخية.
- كوريا الجنوبية رفعت إنتاج الكهرباء من الفحم بأكثر من 4 غيغاواط مقارنة بالعام الماضي.
- اليابان وفيتنام زادتا الاعتماد على الفحم خلال الشهرين الماضيين.
- الصين، أكبر مستهلك للفحم في العالم، رفعت الطلب على الفحم لتوليد الكهرباء والصناعات الكيماوية.
- الهند عززت مشترياتها الاستباقية خوفًا من أي صدمة إضافية في الغاز.
ببساطة: عندما تصبح الكهرباء مهددة، تتراجع الاعتبارات البيئية خطوة إلى الخلف.
أوروبا لا تريد العودة للفحم
في أوروبا، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. صحيح أن بعض الدول الأوروبية أعادت تشغيل محطات فحم مؤقتًا منذ أزمات الطاقة المتلاحقة، لكن القارة لا ترى الفحم كخيار استراتيجي طويل الأمد.
بدلًا من ذلك، بدأت دول أوروبية عديدة إحياء الخيار النووي، وهو المسار الذي دافعت عنه فرنسا لعقود باعتباره الضامن الحقيقي لاستقلال الطاقة وتقليل الانبعاثات في الوقت نفسه.
باريس تعتبر أن أزمة الغاز الروسية ثم اضطرابات الشرق الأوسط أثبتت هشاشة الاعتماد المفرط على الغاز المستورد، لذلك دفعت بقوة داخل الاتحاد الأوروبي لإعادة الاعتراف بالطاقة النووية كمصدر “أخضر استراتيجي”.
اليوم، دول مثل بلجيكا والسويد وهولندا بدأت تمدد عمر مفاعلاتها النووية أو تعيد فتح النقاش حول بناء مفاعلات جديدة.
حتى المانيا، التي كانت رأس الحربة في الخروج من النووي، تواجه ضغوطًا سياسية واقتصادية لإعادة النظر في خياراتها الطاقية بعد الارتفاعات القياسية في أسعار الكهرباء.
بكلمات أخرى: أوروبا قد تستخدم الفحم كمسكن مؤقت، لكنها ترى أن الحل الاستراتيجي الحقيقي هو “نووي أكثر.. وغاز أقل”.
هل العالم يتراجع عن تعهدات المناخ؟
ليس بالكامل.. لكن الأولويات تغيرت مؤقتًا.
هنا يظهر الصراع الحقيقي:
أمن الطاقة
ضمان عدم انقطاع الكهرباء مهما كان الثمن.
التحول الأخضر
خفض الانبعاثات وتحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ.
في الأزمات، تنتصر الأولوية الأولى غالبًا.
لكن المفارقة أن الأزمة نفسها قد تدفع لاحقًا لتسريع الطاقة النظيفة، لا العكس.
لماذا؟
لأن الحكومات بدأت تدرك هشاشة الاعتماد على النفط والغاز المستوردين.
كل صدمة جيوسياسية تعني ارتفاعًا في الأسعار، وتوترًا في الأسواق، وضغطًا سياسيًا داخليًا.
لذلك، بينما تعود بعض محطات الفحم الآن، تتحرك الاستثمارات أيضًا بقوة نحو:
- الطاقة الشمسية
- الرياح
- النووي
- الهيدروجين الأخضر
- تخزين الكهرباء
أي أن الفحم قد يعود تكتيكيًا.. لكنه لا يستعيد مكانته الاستراتيجية القديمة.
اذاً العالم لن يعود إلى “عصر الفحم” بالكامل.
لكن العالم أيضًا لم يعد قادرًا على التخلي عنه بسرعة كما كان يعتقد.
الفحم يتحول الآن إلى “وقود الطوارئ العالمي”:
يختفي في أوقات الاستقرار.. ويعود فور الأزمات.


