إذاعة الشرق
رحلَ صباحَ اليوم في تونس المخرجُ والمسرحيّ والسينمائيّ فاضل الجزيري عن 77 عاماً بعد معاناةٍ مع المرض، وذلك بعد أيام من خضوعه لعملية جراحية في القلب. برحيله تُطوى صفحةُ واحدٍ من أبرز صُنّاع العروض الموسيقية الجماهيرية في تونس والعالم العربي.
البدايات: من “المسرح الجديد” إلى شاشة السينما
وُلد الجزيري في قلب مدينة تونس عام 1948، وتتلمذ في المعهد الصادقي، ونشط ضمن حراك الطلبة أواخر الستينيات. أسّس بعد عودته من لندن “مسرح الجنوب” في قفصة (1972) مع فاضل الجعايبي ورجاء فرحات وجليلة بكّار وآخرين، ثم شارك لاحقاً في تأسيس “المسرح الجديد” في تونس العاصمة، قبل أن ينتقل إلى السينما ممثلاً ومخرجاً لفيلم “ثلاثون” (2007). هذه الخلفية المسرحية–السينمائية ستظلّ ظِلَّه في كل عروضه الموسيقية الكبرى.
“النوبة” (1991): استعادة التراث بمنطق العرض الحيّ
جاء عرض “النوبة” بداية التسعينيات بوصفه أول اقتراحٍ بصري–سمعي كبير يستندُ إلى موروث المالوف والأنغام الشعبية ويقدّمه بصيغة عرضٍ احتفالي حديث. الفكرة، التي صاغها الجزيري بالشراكة مع الموسيقي سمير العقربي، أعادت جمهوراً واسعاً إلى الاستماع للتراث خارج القاعات الأكاديمية، وفتحت نقاشاً مبكّراً حول كيفية “تشخيص” الموروث على المسرح. ورغم أن “النوبة” لم تستمر طويلاً، فإن أثرها بدا واضحاً في فلسفة الجزيري اللاحقة القائمة على تحويل الذاكرة السمعية إلى فرجةٍ معاصرة.
من عرض النوبة يوتيوب
“الحضرة” (منذ 1989): قلبُ التجربة الموسيقية
محطة التحوّل كانت مع “الحضرة”، العمل الذي افتتح به مهرجان قرطاج سنة 1989، حيث أعاد الجزيري تقديم الأذكار والإنشاد الصوفي والأغاني الروحية التونسية ضمن بناء مسرحي ضخم: كورال رجالي، طبول وإيقاعات، توزيع حديث، وإخراج ضوئي–حركي يضعُ المُنشد في قلب مشهديةٍ جماعية. بهذا التصوّر خرج الإنشاد من فضاء الزوايا إلى فضاء المهرجانات، ليصبح حدثاً جماهيرياً سنوياً بامتياز، ويؤسِّس لمدرسةٍ في “التوليف” بين الأصالة والوسائط المسرحية الحديثة. كثيرون يرون أن “الحضرة” ساهمت في إعادة الاعتبار للغناء الصوفي وتعميمه على شرائح أوسع داخل تونس وخارجها.
استطاع الجزيري تحويل التراث إلى حدثٍ معاصر، فلم يتعامل مع التراث كمادة حفظٍ وتلقين، بل مادة عرضٍ تُكتب من جديد بقواعد المسرح: سينوغرافيا، كتلة بشرية من المنشدين والراقصين، إضاءة، إيقاع صاعد، وبناء درامي للمقامات والسماع. هذه المقاربة صارت لاحقاً نموذجاً تُحاكیه أعمالٌ كثيرة في تونس والعالم العربي، وأدخلت الغناء الصوفي والمالوف إلى مسارح كبرى وجماهير جديدة.
الحضرة التونسية يوتيوب
كما نقل الجزيري الإنشاد من حالة مرتبطة بمشهد كلاسيكي، ليفرض ما عرف بعدها بديمقراطية الإنشاد. حيث أخرجت “الحضرة” و“النوبة” الألوان الروحية والشعبية من حصريتها النخبوية أو الدينية، وقدّمتهما ضمن حفلات مفتوحة ومهرجانات وطنية ودولية، ما عزّز حضور هذه الألوان في الإعلام والسوق الموسيقية، ورفع من قيمة “الأداء الجماعي” كورشة تُخرِّج أصواتاً شابة ومدرّبين وموزّعين.
والغريب أن الجزيري لطالما أثار الجدل، وإن اعتبره البعض جدلاً صحياً حول معنى “التجديد”. حيث لم تَخلُ تجربة من تجاربه من نقدٍ حادّ لمسائل التمويل أو “تسليع” التراث، لكن الجدل نفسه رسّخ مركزية السؤال الجمالي حول كيفيّة تقديم الموروث اليوم: أين تنتهي الحفلة وتبدأ الطقوس؟ وكيف نعيد كتابة الذاكرة دون أن نُفقدها معناها؟ هذه المناقشات أسهمت في بلورة حساسية جديدة لدى الجمهور وصُنّاع الموسيقى في المنطقة.
عندما أعاد الجزيري إصدار الحضرة في نسخة جديدة، لاقى نقداً كثيراً، ومن بين المنتقدين من كان يعتقد أن النسخة السابقة التي أنتجها الجزيري نفسه، هي نسخة تراثية خالصة.
فقد كان الاستمرار والتطوير سمة ملازمة له، ليحدث شيء مشابه مع إعادة إنتاج “نوبة” بصيغٍ حديثة، إلى “محفل” (افتتاح قرطاج 2023) الذي وسّع التوليف الإيقاعي وتبنّى قراءةً أكثر انفتاحاً للتراث على موسيقات العالم، مع ما صاحب ذلك من نقاشات.
فاضل الجزيري المؤسسو الثقافية
لم تكن إنجازاته محصورة في الخشبة. فقد أسّس لاحقاً “مركز جربة للفنون” بوصفه فضاءً إنتاجياً وتكوينياً يربط الموسيقى بالمسرح والصورة، بما يعكس إيمانه بأن العرض الموسيقي منظومةٌ بشرية وتقنية متكاملة لا مجرد أغنية على المسرح.
بين “النوبة” و“الحضرة” و“محفل” وأفلامه ومسرحياته، رسم فاضل الجزيري مساراً جعل من الموسيقى التونسية لغةَ عرضٍ حيّة تتكلّم بوضوحٍ عربيّ معاصر. سيبقى إرثه في سؤالٍ بسيطٍ وعميق: كيف نُحيي ما نُحبُّ في تراثنا من دون أن نُجمّده؟ الإجابة التي قدّمها كانت عمليةً لا تنظيراً: ورشةٌ دائمة، فريقٌ كبير، مسرحٌ ممتلئ، وجمهورٌ يتعرّف إلى نفسه من جديد.
رحم الله فاضل الجزيري، وخالص العزاء لأسرته ومحبيه وللوسطين الموسيقي والمسرحي في تونس والعالم العربي.
إذاعة الشرق
رحلَ صباحَ اليوم في تونس المخرجُ والمسرحيّ والسينمائيّ فاضل الجزيري عن 77 عاماً بعد معاناةٍ مع المرض، وذلك بعد أيام من خضوعه لعملية جراحية في القلب. برحيله تُطوى صفحةُ واحدٍ من أبرز صُنّاع العروض الموسيقية الجماهيرية في تونس والعالم العربي.
البدايات: من “المسرح الجديد” إلى شاشة السينما
وُلد الجزيري في قلب مدينة تونس عام 1948، وتتلمذ في المعهد الصادقي، ونشط ضمن حراك الطلبة أواخر الستينيات. أسّس بعد عودته من لندن “مسرح الجنوب” في قفصة (1972) مع فاضل الجعايبي ورجاء فرحات وجليلة بكّار وآخرين، ثم شارك لاحقاً في تأسيس “المسرح الجديد” في تونس العاصمة، قبل أن ينتقل إلى السينما ممثلاً ومخرجاً لفيلم “ثلاثون” (2007). هذه الخلفية المسرحية–السينمائية ستظلّ ظِلَّه في كل عروضه الموسيقية الكبرى.
“النوبة” (1991): استعادة التراث بمنطق العرض الحيّ
جاء عرض “النوبة” بداية التسعينيات بوصفه أول اقتراحٍ بصري–سمعي كبير يستندُ إلى موروث المالوف والأنغام الشعبية ويقدّمه بصيغة عرضٍ احتفالي حديث. الفكرة، التي صاغها الجزيري بالشراكة مع الموسيقي سمير العقربي، أعادت جمهوراً واسعاً إلى الاستماع للتراث خارج القاعات الأكاديمية، وفتحت نقاشاً مبكّراً حول كيفية “تشخيص” الموروث على المسرح. ورغم أن “النوبة” لم تستمر طويلاً، فإن أثرها بدا واضحاً في فلسفة الجزيري اللاحقة القائمة على تحويل الذاكرة السمعية إلى فرجةٍ معاصرة.
من عرض النوبة يوتيوب
“الحضرة” (منذ 1989): قلبُ التجربة الموسيقية
محطة التحوّل كانت مع “الحضرة”، العمل الذي افتتح به مهرجان قرطاج سنة 1989، حيث أعاد الجزيري تقديم الأذكار والإنشاد الصوفي والأغاني الروحية التونسية ضمن بناء مسرحي ضخم: كورال رجالي، طبول وإيقاعات، توزيع حديث، وإخراج ضوئي–حركي يضعُ المُنشد في قلب مشهديةٍ جماعية. بهذا التصوّر خرج الإنشاد من فضاء الزوايا إلى فضاء المهرجانات، ليصبح حدثاً جماهيرياً سنوياً بامتياز، ويؤسِّس لمدرسةٍ في “التوليف” بين الأصالة والوسائط المسرحية الحديثة. كثيرون يرون أن “الحضرة” ساهمت في إعادة الاعتبار للغناء الصوفي وتعميمه على شرائح أوسع داخل تونس وخارجها.
استطاع الجزيري تحويل التراث إلى حدثٍ معاصر، فلم يتعامل مع التراث كمادة حفظٍ وتلقين، بل مادة عرضٍ تُكتب من جديد بقواعد المسرح: سينوغرافيا، كتلة بشرية من المنشدين والراقصين، إضاءة، إيقاع صاعد، وبناء درامي للمقامات والسماع. هذه المقاربة صارت لاحقاً نموذجاً تُحاكیه أعمالٌ كثيرة في تونس والعالم العربي، وأدخلت الغناء الصوفي والمالوف إلى مسارح كبرى وجماهير جديدة.
الحضرة التونسية يوتيوب
كما نقل الجزيري الإنشاد من حالة مرتبطة بمشهد كلاسيكي، ليفرض ما عرف بعدها بديمقراطية الإنشاد. حيث أخرجت “الحضرة” و“النوبة” الألوان الروحية والشعبية من حصريتها النخبوية أو الدينية، وقدّمتهما ضمن حفلات مفتوحة ومهرجانات وطنية ودولية، ما عزّز حضور هذه الألوان في الإعلام والسوق الموسيقية، ورفع من قيمة “الأداء الجماعي” كورشة تُخرِّج أصواتاً شابة ومدرّبين وموزّعين.
والغريب أن الجزيري لطالما أثار الجدل، وإن اعتبره البعض جدلاً صحياً حول معنى “التجديد”. حيث لم تَخلُ تجربة من تجاربه من نقدٍ حادّ لمسائل التمويل أو “تسليع” التراث، لكن الجدل نفسه رسّخ مركزية السؤال الجمالي حول كيفيّة تقديم الموروث اليوم: أين تنتهي الحفلة وتبدأ الطقوس؟ وكيف نعيد كتابة الذاكرة دون أن نُفقدها معناها؟ هذه المناقشات أسهمت في بلورة حساسية جديدة لدى الجمهور وصُنّاع الموسيقى في المنطقة.
عندما أعاد الجزيري إصدار الحضرة في نسخة جديدة، لاقى نقداً كثيراً، ومن بين المنتقدين من كان يعتقد أن النسخة السابقة التي أنتجها الجزيري نفسه، هي نسخة تراثية خالصة.
فقد كان الاستمرار والتطوير سمة ملازمة له، ليحدث شيء مشابه مع إعادة إنتاج “نوبة” بصيغٍ حديثة، إلى “محفل” (افتتاح قرطاج 2023) الذي وسّع التوليف الإيقاعي وتبنّى قراءةً أكثر انفتاحاً للتراث على موسيقات العالم، مع ما صاحب ذلك من نقاشات.
فاضل الجزيري المؤسسو الثقافية
لم تكن إنجازاته محصورة في الخشبة. فقد أسّس لاحقاً “مركز جربة للفنون” بوصفه فضاءً إنتاجياً وتكوينياً يربط الموسيقى بالمسرح والصورة، بما يعكس إيمانه بأن العرض الموسيقي منظومةٌ بشرية وتقنية متكاملة لا مجرد أغنية على المسرح.
بين “النوبة” و“الحضرة” و“محفل” وأفلامه ومسرحياته، رسم فاضل الجزيري مساراً جعل من الموسيقى التونسية لغةَ عرضٍ حيّة تتكلّم بوضوحٍ عربيّ معاصر. سيبقى إرثه في سؤالٍ بسيطٍ وعميق: كيف نُحيي ما نُحبُّ في تراثنا من دون أن نُجمّده؟ الإجابة التي قدّمها كانت عمليةً لا تنظيراً: ورشةٌ دائمة، فريقٌ كبير، مسرحٌ ممتلئ، وجمهورٌ يتعرّف إلى نفسه من جديد.
رحم الله فاضل الجزيري، وخالص العزاء لأسرته ومحبيه وللوسطين الموسيقي والمسرحي في تونس والعالم العربي.
