• يوليو 7, 2026
  • يوليو 7, 2026

عماد السيد

دمشق تريد أكثر من الاعتراف.. الشرع يبحث عن شراكة تعيد بناء الدولة

من القطيعة إلى الانفتاح.. كيف تغيرت العلاقات السورية الأوروبية؟

لم يكن الانفتاح الأوروبي على سوريا ليحدث بهذه السرعة لولا التحولات العربية، خصوصاً الخليجية

لم تكن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق مجرد محطة دبلوماسية عادية، بل إعلانًا عن بداية مرحلة جديدة في الشرق الأوسط. فهي أول زيارة لرئيس دولة من الاتحاد الأوروبي، وأول رئيس غربي كبير يزور سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في أواخر 2024، في توقيت تتسابق فيه القوى الإقليمية والدولية على رسم خريطة النفوذ في سوريا ما بعد الحرب.

وبينما تبحث دمشق بقيادة أحمد الشرع عن الشرعية الدولية والاستثمارات وإعادة الإعمار، ترى باريس فرصة لاستعادة دورها التاريخي في المشرق وقيادة الانفتاح الأوروبي على سوريا، قبل أن تملأ قوى أخرى الفراغ السياسي والاقتصادي.

لماذا الآن؟.. فرنسا تتحرك قبل أن يغلق باب النفوذ

اختارت باريس هذا التوقيت لعدة اعتبارات متزامنة، فمنذ وصول أحمد الشرع إلى السلطة بدأت سوريا تخرج تدريجياً من عزلتها، وبدأت العواصم الغربية تعيد تقييم سياساتها تجاه دمشق.

لكن فرنسا أرادت أن تكون أول دولة أوروبية تترجم هذا التحول إلى زيارة رئاسية، لتثبت أنها اللاعب الأوروبي الأكثر تأثيراً في الملف السوري، وأنها صاحبة المبادرة في رسم العلاقة الجديدة بين أوروبا ودمشق.

كما تأتي الزيارة في لحظة تشهد فيها المنطقة إعادة تشكيل للتوازنات الإقليمية بعد سنوات من الحروب، وهو ما يمنح باريس فرصة لإعادة تثبيت حضورها السياسي في شرق المتوسط والمشرق العربي.

مكاسب الشرع من زيارة ماكرون

بالنسبة للرئيس أحمد الشرع، تمثل الزيارة مكسباً سياسياً واستراتيجياً يتجاوز بعدها البروتوكولي.

فالقيادة السورية الجديدة تسعى إلى تحقيق أربعة أهداف رئيسية:

• كسر العزلة الغربية بصورة عملية.

• جذب الاستثمارات الأوروبية.

• تسريع إعادة الإعمار.

• اكتساب شرعية دولية تدعم النظام السياسي الجديد.

إعادة الإعمار.. الاقتصاد يقود الدبلوماسية

اللافت أن الوفد الفرنسي لم يضم مسؤولين سياسيين فقط، بل أيضاً مستثمرين وممثلين عن شركات فرنسية، ما يعكس أن باريس تنظر إلى سوريا باعتبارها إحدى أكبر فرص إعادة الإعمار في المنطقة خلال العقد المقبل.

وتبرز عدة قطاعات مرشحة للتعاون:

• الموانئ والنقل البحري.

• الطاقة والكهرباء.

• المياه والصرف الصحي.

• الاتصالات والتكنولوجيا.

• المصارف وأسواق المال.

• إعادة بناء المدن والبنية التحتية.

كما يمثل مشروع تطوير ميناء اللاذقية، الذي تنفذه شركة فرنسية، مؤشراً على أن التعاون الاقتصادي بدأ بالفعل قبل الزيارة، وأن باريس تسعى لتحويل العلاقات السياسية إلى مصالح اقتصادية طويلة الأجل.

سوريا وأوربا.. ما الذي تغير؟

منذ وصول أحمد الشرع إلى السلطة، بدأت أوروبا تتحرك بحذر.

فرنسا كانت الأكثر انفتاحاً، إذ دعمت تخفيف العزلة الدولية، وساهمت في فتح قنوات التواصل مع الإدارة السورية الجديدة، بينما بقيت بقية العواصم الأوروبية تراقب تطورات المرحلة الانتقالية.

واليوم تمثل زيارة ماكرون أول كسر فعلي للجمود الأوروبي، وقد تشجع دولاً أخرى على إعادة فتح قنواتها مع دمشق، لكن وفق شروط تتعلق بالإصلاح السياسي، والأمن، وعودة اللاجئين، واحترام حقوق الإنسان.

الخليج.. الشريك الذي مهد الطريق

لم يكن الانفتاح الأوروبي على سوريا ليحدث بهذه السرعة لولا التحولات العربية، خصوصاً الخليجية.

فالدول الخليجية لعبت دوراً مهماً في:

• إعادة دمج سوريا عربياً.

• توفير غطاء سياسي للانفتاح الدولي.

• تشجيع الاستثمار.

• خلق بيئة إقليمية أكثر استقراراً.

كما تمتلك الصناديق السيادية الخليجية القدرة على تمويل جزء كبير من إعادة الإعمار، وهو ما يجعل أي مشروع فرنسي كبير أكثر قابلية للتنفيذ.

ماذا تريد باريس من الشرق الأوسط؟

زيارة ماكرون تحمل رسائل تتجاوز العلاقات الثنائية، ففرنسا تريد أن تقول إنها ما زالت لاعباً رئيسياً في الشرق الأوسط، وقادرة على منافسة الولايات المتحدة وروسيا والصين وتركيا في مرحلة إعادة تشكيل المنطقة.

كما تسعى باريس إلى استخدام الملف السوري لتعزيز مكانتها داخل الاتحاد الأوروبي باعتبارها قائدة السياسة الأوروبية تجاه الشرق الأوسط، خاصة في ظل تراجع الاهتمام الأميركي النسبي بالملف السوري.

التحديات.. لماذا لن تكون الطريق سهلة؟

رغم الزخم السياسي، فإن نجاح هذا المسار يواجه عقبات كبيرة:

• استمرار بعض العقوبات الغربية.

• هشاشة الوضع الأمني.

• ضعف البيئة القانونية للاستثمار.

• الحاجة إلى إصلاحات مالية ومصرفية واسعة.

• الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي حول سرعة الانفتاح على دمشق.

• تنافس إقليمي ودولي على النفوذ الاقتصادي والسياسي داخل سوريا.

التقدير الاستراتيجي.. بداية سباق النفوذ لا نهايته

زيارة ماكرون إلى دمشق لا تمثل نهاية العزلة السورية بقدر ما تمثل بداية مرحلة جديدة من التنافس الدولي على سوريا.

فرنسا تسعى إلى تحويل الانفتاح السياسي إلى نفوذ اقتصادي طويل الأمد، بينما تريد دمشق استثمار هذا الانفتاح لاستعادة الشرعية وجذب التمويل والتكنولوجيا. أما أوروبا فتختبر نموذجاً جديداً للتعامل مع سوريا، فيما يواصل الخليج لعب دور الممول والضامن الإقليمي.

إذا نجحت الاتفاقات المنتظرة، فقد تتحول الزيارة إلى نقطة الانطلاق لإعادة دمج سوريا في الاقتصاد الدولي. أما إذا تعثرت الإصلاحات أو عادت التوترات الأمنية، فقد تبقى الزيارة حدثاً سياسياً رمزياً أكثر منها تحولاً استراتيجياً. وفي جميع الأحوال، فإن دمشق أصبحت مجدداً ساحة تنافس على النفوذ، لكن هذه المرة عبر الاستثمار وإعادة الإعمار، لا عبر ساحات القتال.

عماد السيد

دمشق تريد أكثر من الاعتراف.. الشرع يبحث عن شراكة تعيد بناء الدولة

من القطيعة إلى الانفتاح.. كيف تغيرت العلاقات السورية الأوروبية؟

لم يكن الانفتاح الأوروبي على سوريا ليحدث بهذه السرعة لولا التحولات العربية، خصوصاً الخليجية

لم تكن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق مجرد محطة دبلوماسية عادية، بل إعلانًا عن بداية مرحلة جديدة في الشرق الأوسط. فهي أول زيارة لرئيس دولة من الاتحاد الأوروبي، وأول رئيس غربي كبير يزور سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في أواخر 2024، في توقيت تتسابق فيه القوى الإقليمية والدولية على رسم خريطة النفوذ في سوريا ما بعد الحرب.

وبينما تبحث دمشق بقيادة أحمد الشرع عن الشرعية الدولية والاستثمارات وإعادة الإعمار، ترى باريس فرصة لاستعادة دورها التاريخي في المشرق وقيادة الانفتاح الأوروبي على سوريا، قبل أن تملأ قوى أخرى الفراغ السياسي والاقتصادي.

لماذا الآن؟.. فرنسا تتحرك قبل أن يغلق باب النفوذ

اختارت باريس هذا التوقيت لعدة اعتبارات متزامنة، فمنذ وصول أحمد الشرع إلى السلطة بدأت سوريا تخرج تدريجياً من عزلتها، وبدأت العواصم الغربية تعيد تقييم سياساتها تجاه دمشق.

لكن فرنسا أرادت أن تكون أول دولة أوروبية تترجم هذا التحول إلى زيارة رئاسية، لتثبت أنها اللاعب الأوروبي الأكثر تأثيراً في الملف السوري، وأنها صاحبة المبادرة في رسم العلاقة الجديدة بين أوروبا ودمشق.

كما تأتي الزيارة في لحظة تشهد فيها المنطقة إعادة تشكيل للتوازنات الإقليمية بعد سنوات من الحروب، وهو ما يمنح باريس فرصة لإعادة تثبيت حضورها السياسي في شرق المتوسط والمشرق العربي.

مكاسب الشرع من زيارة ماكرون

بالنسبة للرئيس أحمد الشرع، تمثل الزيارة مكسباً سياسياً واستراتيجياً يتجاوز بعدها البروتوكولي.

فالقيادة السورية الجديدة تسعى إلى تحقيق أربعة أهداف رئيسية:

• كسر العزلة الغربية بصورة عملية.

• جذب الاستثمارات الأوروبية.

• تسريع إعادة الإعمار.

• اكتساب شرعية دولية تدعم النظام السياسي الجديد.

إعادة الإعمار.. الاقتصاد يقود الدبلوماسية

اللافت أن الوفد الفرنسي لم يضم مسؤولين سياسيين فقط، بل أيضاً مستثمرين وممثلين عن شركات فرنسية، ما يعكس أن باريس تنظر إلى سوريا باعتبارها إحدى أكبر فرص إعادة الإعمار في المنطقة خلال العقد المقبل.

وتبرز عدة قطاعات مرشحة للتعاون:

• الموانئ والنقل البحري.

• الطاقة والكهرباء.

• المياه والصرف الصحي.

• الاتصالات والتكنولوجيا.

• المصارف وأسواق المال.

• إعادة بناء المدن والبنية التحتية.

كما يمثل مشروع تطوير ميناء اللاذقية، الذي تنفذه شركة فرنسية، مؤشراً على أن التعاون الاقتصادي بدأ بالفعل قبل الزيارة، وأن باريس تسعى لتحويل العلاقات السياسية إلى مصالح اقتصادية طويلة الأجل.

سوريا وأوربا.. ما الذي تغير؟

منذ وصول أحمد الشرع إلى السلطة، بدأت أوروبا تتحرك بحذر.

فرنسا كانت الأكثر انفتاحاً، إذ دعمت تخفيف العزلة الدولية، وساهمت في فتح قنوات التواصل مع الإدارة السورية الجديدة، بينما بقيت بقية العواصم الأوروبية تراقب تطورات المرحلة الانتقالية.

واليوم تمثل زيارة ماكرون أول كسر فعلي للجمود الأوروبي، وقد تشجع دولاً أخرى على إعادة فتح قنواتها مع دمشق، لكن وفق شروط تتعلق بالإصلاح السياسي، والأمن، وعودة اللاجئين، واحترام حقوق الإنسان.

الخليج.. الشريك الذي مهد الطريق

لم يكن الانفتاح الأوروبي على سوريا ليحدث بهذه السرعة لولا التحولات العربية، خصوصاً الخليجية.

فالدول الخليجية لعبت دوراً مهماً في:

• إعادة دمج سوريا عربياً.

• توفير غطاء سياسي للانفتاح الدولي.

• تشجيع الاستثمار.

• خلق بيئة إقليمية أكثر استقراراً.

كما تمتلك الصناديق السيادية الخليجية القدرة على تمويل جزء كبير من إعادة الإعمار، وهو ما يجعل أي مشروع فرنسي كبير أكثر قابلية للتنفيذ.

ماذا تريد باريس من الشرق الأوسط؟

زيارة ماكرون تحمل رسائل تتجاوز العلاقات الثنائية، ففرنسا تريد أن تقول إنها ما زالت لاعباً رئيسياً في الشرق الأوسط، وقادرة على منافسة الولايات المتحدة وروسيا والصين وتركيا في مرحلة إعادة تشكيل المنطقة.

كما تسعى باريس إلى استخدام الملف السوري لتعزيز مكانتها داخل الاتحاد الأوروبي باعتبارها قائدة السياسة الأوروبية تجاه الشرق الأوسط، خاصة في ظل تراجع الاهتمام الأميركي النسبي بالملف السوري.

التحديات.. لماذا لن تكون الطريق سهلة؟

رغم الزخم السياسي، فإن نجاح هذا المسار يواجه عقبات كبيرة:

• استمرار بعض العقوبات الغربية.

• هشاشة الوضع الأمني.

• ضعف البيئة القانونية للاستثمار.

• الحاجة إلى إصلاحات مالية ومصرفية واسعة.

• الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي حول سرعة الانفتاح على دمشق.

• تنافس إقليمي ودولي على النفوذ الاقتصادي والسياسي داخل سوريا.

التقدير الاستراتيجي.. بداية سباق النفوذ لا نهايته

زيارة ماكرون إلى دمشق لا تمثل نهاية العزلة السورية بقدر ما تمثل بداية مرحلة جديدة من التنافس الدولي على سوريا.

فرنسا تسعى إلى تحويل الانفتاح السياسي إلى نفوذ اقتصادي طويل الأمد، بينما تريد دمشق استثمار هذا الانفتاح لاستعادة الشرعية وجذب التمويل والتكنولوجيا. أما أوروبا فتختبر نموذجاً جديداً للتعامل مع سوريا، فيما يواصل الخليج لعب دور الممول والضامن الإقليمي.

إذا نجحت الاتفاقات المنتظرة، فقد تتحول الزيارة إلى نقطة الانطلاق لإعادة دمج سوريا في الاقتصاد الدولي. أما إذا تعثرت الإصلاحات أو عادت التوترات الأمنية، فقد تبقى الزيارة حدثاً سياسياً رمزياً أكثر منها تحولاً استراتيجياً. وفي جميع الأحوال، فإن دمشق أصبحت مجدداً ساحة تنافس على النفوذ، لكن هذه المرة عبر الاستثمار وإعادة الإعمار، لا عبر ساحات القتال.

ماكرون في دمشق.. هل بدأت فرنسا سباق النفوذ في سوريا الجديدة؟