د. محمد العرب
الهدنة الهشة لم ولن تُنتج استقراراً بقدر ما كشفت حقيقة أكثر تعقيداً .. مجتبى خامنئي، رغم إصابته البليغة، أصبح المرشد الفعلي شكلياً، بينما انتقلت السلطة التنفيذية الحقيقية إلى تيار الصقور داخل الحرس الثوري.
نحن أمام نموذج حكم مزدوج، رأس رمزي يفتقد القدرة على الحركة، وجسد عسكري يفرض الإيقاع ويعيد تعريف الدولة وفق منطقه الخاص.
هذه ليست مرحلة انتقالية طبيعية، بل حالة انزلاق نحو عسكرة كاملة للنظام، حيث تتحول (ولاية الفقيه) إلى غطاء شرعي لسلطة ميدانية أكثر خشونة وبراغماتية.
في هذا المشهد، السيناريو الأول يتمثل في ترسيخ حكم (الوصاية العسكرية المقنّعة) الصقور لن يسعوا إلى إقصاء مجتبى، بل إلى إبقائه في الواجهة كرمز يمنحهم الغطاء الديني والسياسي، بينما تُدار القرارات الفعلية من داخل غرف العمليات التابعة للحرس الثوري .
هذا النموذج يمنحهم ميزة مزدوجة: احتكار القرار دون تحمل المسؤولية الكاملة، وإمكانية تحميل (المرشد المصاب) تبعات أي فشل داخلي أو خارجي.
مع الوقت، قد تتحول هذه المعادلة إلى صيغة حكم مستقرة نسبياً ، لكنها تقوم على التوازن الهش بين الرمز والقبضة وهذا يفتح باب المواجهة دوما يكون فيها النظام الإيراني الحلقة الأضعف.
السيناريو الثاني يتجه نحو تصعيد نفوذ الصقور بشكل مباشر، حيث تتحول الهدنة إلى فرصة لإعادة بناء القوة الصلبة، لا لتخفيف التوتر.
إعادة إنتاج نفس الأخطاء
في هذا السياق، ستُستخدم فترة التهدئة لإعادة ترتيب الأذرع الإقليمية، ترميم القدرات العسكرية، وتعزيز السيطرة الأمنية في الداخل.
مجتبى، في هذا المسار، يصبح أقرب إلى (توقيع رسمي) على قرارات تُتخذ مسبقاً. المشكلة أن هذا النهج يعيد إنتاج نفس الأخطاء التي أوصلت النظام إلى حالة الإنهاك الحالية، مع فارق أن هامش المناورة اليوم أضيق، والرقابة الدولية والإقليمية أكثر حدة.
السيناريو الثالث يرتبط بصراع داخلي مكتوم داخل الحرس نفسه، تيار الصقور ليس كتلة واحدة متجانسة، بل شبكة من القيادات التي يجمعها الهدف وتفرقها المصالح.
في ظل غياب مرشد قوي قادر على ضبط الإيقاع، قد تبدأ التنافسات بالظهور تدريجياً ، سواء حول توزيع النفوذ الاقتصادي أو إدارة الملفات الإقليمية.
هنا، يتحول مجتبى إلى (محور رمزي) تتصارع حوله الأطراف، كل طرف يدّعي القرب منه وامتلاك شرعيته.
هذا السيناريو يحمل في طياته خطر تفكك القرار، حتى لو بقيت واجهة النظام موحدة ظاهرياً.
السيناريو الرابع يتمثل في محاولة محدودة لخلق توازن بين الصقور وبقايا التيار التقليدي داخل المؤسسة الدينية.
بعض الدوائر قد ترى في عسكرة النظام تهديداً لجوهره الأيديولوجي، وتسعى إلى استعادة جزء من النفوذ عبر بوابة (حماية ولاية الفقيه) في هذا السياق، قد يُستخدم وضع مجتبى الصحي كورقة لإعادة توزيع الأدوار، أو حتى لفرض وصاية دينية موازية.
لكن هذا المسار يظل ضعيفاً ، لأن ميزان القوة يميل بوضوح لصالح الحرس، الذي يمتلك أدوات السيطرة الفعلية على الأرض.
أما السيناريو الخامس، وهو الأكثر خطورة على المدى المتوسط، فيتعلق بتفاعل الشارع الإيراني مع هذه المعادلة الجديدة.
موجات احتجاج جديدة
مجتمع أنهكته الأزمات لن يتعامل بسهولة مع سلطة تبدو أكثر انغلاقاً وأقل قابلية للمساءلة. وجود مرشد مصاب في الواجهة، مع إدارة فعلية بيد مؤسسة عسكرية، قد يعمّق الشعور بفقدان التمثيل، ويدفع نحو موجات احتجاج جديدة أكثر حدة وتنظيماً. الصقور قد يراهنون على القمع كحل سريع، لكن التجارب السابقة أظهرت أن القمع يشتري الوقت ولا يشتري الاستقرار.
الهدنة في هذا السياق ليست سوى (استراحة تكتيكية) لنظام يعيد ترتيب نفسه تحت ضغط مزدوج: داخلي متآكل وخارجي متربص. مجتبى، رغم موقعه الشكلي، يواجه معضلة مركبة؛ فهو مرشد بلا أدوات مباشرة، ورمز يعتمد بقاؤه على توازنات لا يسيطر عليها بالكامل. أما الصقور، فرغم قوتهم، يديرون دولة مثقلة بالأزمات، حيث كل قرار يحمل كلفة مضاعفة.
المفارقة أن هذا النموذج الهجين قد يبدو في المدى القصير أكثر تماسكاً، لأنه يلغي الحاجة إلى التوافق الواسع ويستبدله بقرار مركزي حاد.
لكن في المدى البعيد، هو نموذج قابل للتشقق من داخله، لأن السلطة حين تنفصل عن الشرعية، تبدأ بالاعتماد المفرط على القوة، والقوة بطبيعتها تستنزف نفسها إذا لم تُدعَم بقبول مجتمعي أو مشروع واضح.
في النهاية، ما بعد الهدنة ليس مرحلة استقرار، بل إعادة تشكيل لمعادلة الحكم في إيران قبيل الموجهه الأخيرة الاكبر، مجتبى يمثل الرأس الذي يمنح الشكل، والصقور يمثلون اليد التي تصنع الفعل.
وبين الرأس واليد، تقف دولة كاملة على حافة اختبار تاريخي، حيث كل خطوة إلى الأمام قد تكون في الحقيقة اقتراباً من نقطة اللاعودة.
د. محمد العرب
الهدنة الهشة لم ولن تُنتج استقراراً بقدر ما كشفت حقيقة أكثر تعقيداً .. مجتبى خامنئي، رغم إصابته البليغة، أصبح المرشد الفعلي شكلياً، بينما انتقلت السلطة التنفيذية الحقيقية إلى تيار الصقور داخل الحرس الثوري.
نحن أمام نموذج حكم مزدوج، رأس رمزي يفتقد القدرة على الحركة، وجسد عسكري يفرض الإيقاع ويعيد تعريف الدولة وفق منطقه الخاص.
هذه ليست مرحلة انتقالية طبيعية، بل حالة انزلاق نحو عسكرة كاملة للنظام، حيث تتحول (ولاية الفقيه) إلى غطاء شرعي لسلطة ميدانية أكثر خشونة وبراغماتية.
في هذا المشهد، السيناريو الأول يتمثل في ترسيخ حكم (الوصاية العسكرية المقنّعة) الصقور لن يسعوا إلى إقصاء مجتبى، بل إلى إبقائه في الواجهة كرمز يمنحهم الغطاء الديني والسياسي، بينما تُدار القرارات الفعلية من داخل غرف العمليات التابعة للحرس الثوري .
هذا النموذج يمنحهم ميزة مزدوجة: احتكار القرار دون تحمل المسؤولية الكاملة، وإمكانية تحميل (المرشد المصاب) تبعات أي فشل داخلي أو خارجي.
مع الوقت، قد تتحول هذه المعادلة إلى صيغة حكم مستقرة نسبياً ، لكنها تقوم على التوازن الهش بين الرمز والقبضة وهذا يفتح باب المواجهة دوما يكون فيها النظام الإيراني الحلقة الأضعف.
السيناريو الثاني يتجه نحو تصعيد نفوذ الصقور بشكل مباشر، حيث تتحول الهدنة إلى فرصة لإعادة بناء القوة الصلبة، لا لتخفيف التوتر.
إعادة إنتاج نفس الأخطاء
في هذا السياق، ستُستخدم فترة التهدئة لإعادة ترتيب الأذرع الإقليمية، ترميم القدرات العسكرية، وتعزيز السيطرة الأمنية في الداخل.
مجتبى، في هذا المسار، يصبح أقرب إلى (توقيع رسمي) على قرارات تُتخذ مسبقاً. المشكلة أن هذا النهج يعيد إنتاج نفس الأخطاء التي أوصلت النظام إلى حالة الإنهاك الحالية، مع فارق أن هامش المناورة اليوم أضيق، والرقابة الدولية والإقليمية أكثر حدة.
السيناريو الثالث يرتبط بصراع داخلي مكتوم داخل الحرس نفسه، تيار الصقور ليس كتلة واحدة متجانسة، بل شبكة من القيادات التي يجمعها الهدف وتفرقها المصالح.
في ظل غياب مرشد قوي قادر على ضبط الإيقاع، قد تبدأ التنافسات بالظهور تدريجياً ، سواء حول توزيع النفوذ الاقتصادي أو إدارة الملفات الإقليمية.
هنا، يتحول مجتبى إلى (محور رمزي) تتصارع حوله الأطراف، كل طرف يدّعي القرب منه وامتلاك شرعيته.
هذا السيناريو يحمل في طياته خطر تفكك القرار، حتى لو بقيت واجهة النظام موحدة ظاهرياً.
السيناريو الرابع يتمثل في محاولة محدودة لخلق توازن بين الصقور وبقايا التيار التقليدي داخل المؤسسة الدينية.
بعض الدوائر قد ترى في عسكرة النظام تهديداً لجوهره الأيديولوجي، وتسعى إلى استعادة جزء من النفوذ عبر بوابة (حماية ولاية الفقيه) في هذا السياق، قد يُستخدم وضع مجتبى الصحي كورقة لإعادة توزيع الأدوار، أو حتى لفرض وصاية دينية موازية.
لكن هذا المسار يظل ضعيفاً ، لأن ميزان القوة يميل بوضوح لصالح الحرس، الذي يمتلك أدوات السيطرة الفعلية على الأرض.
أما السيناريو الخامس، وهو الأكثر خطورة على المدى المتوسط، فيتعلق بتفاعل الشارع الإيراني مع هذه المعادلة الجديدة.
موجات احتجاج جديدة
مجتمع أنهكته الأزمات لن يتعامل بسهولة مع سلطة تبدو أكثر انغلاقاً وأقل قابلية للمساءلة. وجود مرشد مصاب في الواجهة، مع إدارة فعلية بيد مؤسسة عسكرية، قد يعمّق الشعور بفقدان التمثيل، ويدفع نحو موجات احتجاج جديدة أكثر حدة وتنظيماً. الصقور قد يراهنون على القمع كحل سريع، لكن التجارب السابقة أظهرت أن القمع يشتري الوقت ولا يشتري الاستقرار.
الهدنة في هذا السياق ليست سوى (استراحة تكتيكية) لنظام يعيد ترتيب نفسه تحت ضغط مزدوج: داخلي متآكل وخارجي متربص. مجتبى، رغم موقعه الشكلي، يواجه معضلة مركبة؛ فهو مرشد بلا أدوات مباشرة، ورمز يعتمد بقاؤه على توازنات لا يسيطر عليها بالكامل. أما الصقور، فرغم قوتهم، يديرون دولة مثقلة بالأزمات، حيث كل قرار يحمل كلفة مضاعفة.
المفارقة أن هذا النموذج الهجين قد يبدو في المدى القصير أكثر تماسكاً، لأنه يلغي الحاجة إلى التوافق الواسع ويستبدله بقرار مركزي حاد.
لكن في المدى البعيد، هو نموذج قابل للتشقق من داخله، لأن السلطة حين تنفصل عن الشرعية، تبدأ بالاعتماد المفرط على القوة، والقوة بطبيعتها تستنزف نفسها إذا لم تُدعَم بقبول مجتمعي أو مشروع واضح.
في النهاية، ما بعد الهدنة ليس مرحلة استقرار، بل إعادة تشكيل لمعادلة الحكم في إيران قبيل الموجهه الأخيرة الاكبر، مجتبى يمثل الرأس الذي يمنح الشكل، والصقور يمثلون اليد التي تصنع الفعل.
وبين الرأس واليد، تقف دولة كاملة على حافة اختبار تاريخي، حيث كل خطوة إلى الأمام قد تكون في الحقيقة اقتراباً من نقطة اللاعودة.


