راديو أوريان/ مازن حمّود

بيّنت التجارب السابقة في الحروب والأزمات أن القطاعات الأكثر حيوية هي الأكثر تأثرا بالتوتر، ومن بين هذه القطاعات الغاز والنفط والسياحة والشحن البحري وأسواق المال.

فهذه المرة، الحرب التي بدأتها إسرائيل وأميركا على إيران، والرد الإيراني الذي طاول جيرانها، تحولّت لتأخذ بعداً إقليمياً، وفعّلت معها صبيحة تعاملات اليوم الثالث من الحرب )الإثنين الثاني من آذار مارس 2026( أسعار عقود الطاقة لتقفز على الفور بأكثر من 10%.

كما زادت أسعار عقود الغاز في أوروبا ما بين 30 إلى 50%، نتيجة لإعلان قطر التوقف عن إنتاج الغاز المسال. ناهيك عن تعرض منشآت للطاقة في كل من الإمارات والسعودية والكويت والبحرين وحتى سلطنة عمان، البلد الوسيط في المفاوضات بين واشنطن وطهران، تعرضت لضربات إيرانية.

ردة فعل الأسواق كانت متوقعة، وصودفت بعد يومين من الحرب التي اندلعت صباح يوم السبت، في وقت كانت معظم أسواق التعاملات في المال والطاقة مغلقة.

واستطاعت عقود النفط والغاز امتصاص الصدمة خلال عطلة نهاية الأسبوع )السبت والأحد( قبل الافتتاح يوم الإثنين، لتحلق فيما بعد عند نسب متفاوتة وتخطت ال20% للبترول خلال الأسبوع الأول من الحرب وال60% لعقود الغاز الأوروبية.

ارتفاع أسعار الطاقة رافقه التحكُّم الإيراني بمضيق هرمز الذي يقع على طول السواحل الجنوبية لإيران. وتعبره نسبة 20% من النفط، أغلبيته من السعودية والإمارات والعراق والكويت وإيران، إلى جانب كميات من الغاز الطبيعي المسال من قطر وبنسبة 25%.

فقطر تنتج نحو 20% من غاز العالم، وأوروبا تستورد 10% من احتياجاتها من هذا الغاز، والجزء الأكبر يتم تصديره إلى الصين والهند. فهذا الوضع يطرح إشكالية كبرى بالنسبة للدول النفطية، وصعوبة في تسويق نفطها وغازها.

فحالة الاقتصاد اليوم، انتقلت من معاناة رسوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجمركية، لتتضاف عليها تداعيات مغامرات وجولات حروب في منطقة الشرق الأوسط. إن المشهد الاقتصادي اليوم يحكُمه عامل الوقت وقدرة الاسواق على استيعاب الصدمة.

كما يتعلق بمدى تأثير ضغط إيران على مضيق هرمز وعلى حركة الشحن. فإذا استمرت حركة الشحن ولو بوتيرة متقطعة، وهدأت الأسعار نوعاً ما مع قرارات مجموعة )أوبك زائد( بزيادة الإنتاج، ولو أنها زيادة غير كافية غير كافية، فستكون الأضرار على النمو العالمي محدودة. أما وعلى العكس، فإن أسعار الطاقة قد تواصل اشتعالها تدريجيا مع الوقت، وستفرض واقعا تضخميا جديدا في العالم، وهذا سيضغط من جديد على سياسة البنوك المركزية.

إغلاق مضيق هرمز

في اليوم السادس من الحرب، دفعت التطورات بالمؤسسات المالية العالمية لدق ناقوس الخطر، وحذرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا من أن الاقتصاد العالمي يواجه محنة جديدة بسبب الحرب في الشرق الأوسط. فيما أعلنت كوريا الجنوبية تفعيل صندوق لإرساء الاستقرار في السوق المالية، بعد تسجيل هبوط تاريخي في بورصة سيول. من جهتها تبلغت الصين من الجهات الموردة من النفط المكرّر بتعليق تصدير المشتقات النفطية مع تزايد خطر حدوث أزمة في الإمدادات بسبب الحرب في الشرق الأوسط. تزامنا مع ذلك، أحكم الحرس الثوري الإيراني سيطرته الكاملة على مضيق هرمز مع تعرض سفن تنقل النفط للقصف والغرق.

فبحسب إحصائية أوبك السنوية، تصدّر السعودية أكثر من 7 ملايين برميل يوميا، إيران تصدر يوميا حوالي الـ1,7مليون برميل بترول.

قطر تصدر حوالي 500,000 برميل في اليوم، الإمارات تصدّر يوميا أكثر من 2مليون برميل. البحرين تصدّر يوميا حوالي ال100,000 برميل أي حوالي نصف انتاجها. الكويت تصدّر يوميا أكثر من مليون برميل. العراق يصدّر يوميا أكثر من مليوني برميل بترول. أما سلطنة عمان فتصدّر يوميا حوالي 900,000 برميل من إجمالي 1,200,000 برميل. وأعلن العراق تخفيض إنتاجه اليومي من البترول، وقد تتجه دول خليجية أخرى نحو الخطوة ذاتها.

أمام هذا المشهد وتراجع الإنتاج من هنا ومن هناك، فإن النقص المحتمل من النفط في الأسواق نتيجة الحرب وتوقف الشحن، لن تعوضه زيادة مجموعة أوبك زائد بواقع 200,000 برميل في اليوم.

كما أن ارتفاع سعر البرميل برنت الأوروبي وغرب تكساس الأميركي، سيضع العصي في دواليب عجلة النمو الاقتصادي في أوروبا وآسيا وأمريكا على حد سواء.

الولايات المتحدة والمزيد من إنتاج البترول

في الحالة الأميركية، ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، دعا الرئيس دونالد ترامب إلى تعزيز حفر الآبار، والبحث عن نفط إضافي وتقوية سلاسل الإنتاج على حساب حماية البيئة واعتماد الطاقة النظيفة. كما وعد بتوفير المحروقات بأسعار رخيصة. وهذا الرهان على رخص الأسعار، قد يفشل الرئيس ترامب بالوصول إليه. مع العلم أن ارتفاع سعر برميل النفط يعود بالنفع على الدول النفطية التي تعتمد على عائدات البترول من أجل موازناتها.

أسعار الفائدة وعامل التضخم

ارتفاع أسعار النفط سيدفع وبشكل تلقائي إلى الأعلى سعر المحروقات ومستويات الأسعار او التضخم مع احتساب سعر المحروقات. ارتفاع التضخم بدوره، سيلقي بثقله على سياسة الاحتياطي الفيدرالي الذي سيجد نفسه مضطرا لرفع سعر الفائدة. في وقت يصر الرئيس ترامب ويضغط على حاكم البنك المركزي. جيروم باول لتخفيض الفائدة. هنا أيضا، قد يفشل الرئيس الأمريكي بتحقيق مخططه الاقتصادي لبلاده.

على أية حال، ما زلنا في بداية التداعيات. وما زال من المبكر الحسم بقوتها اليوم.

الحالة الأسيوية

الصين من أكبر مستهلكي النفط في العالم، ومن بين أقوى معدلات النمو، ونسبة 56% من حاجاتها من النفط تعبر مضيق هرمز، وها هي تضغط على أطراف النزاع لوقف التصعيد والمحافظة على سلامة ممرات الشحن البحري.

وأي نقص من البترول قد يؤثر على نموها الاقتصادي والتصنيع، ويجعلها عرضة لتنافسية اقتصادات آسيوية أخرى لا تعتمد بنفس القوة على النفط. فالصين تُعدُّ المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، والذي يمر معظمه عبر مضيق هرمز.

أوروبا وارتباطها بنفط وغاز المنطقة

إن دول الاتحاد الأوروبي، وبعدما أصبح استيراد الطاقة من روسيا شبه معدوم منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، باتت تعتمد وبشكل متزايد على الواردات من منطقة الخليج عبر مضيق هرمز، كما تعتمد على قناة السويس.

وأصبحت إيطاليا وبلجيكا وبولندا، إلى جانب بريطانيا، التي لم تعد عضوا في الاتحاد، أكثر اعتمادا على واردات الغاز الطبيعي المسال، ولا سيما من قطر في كميات تمر عبر مضيق هرمز. وفقا لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. كما تعتبر دول الخليج العربية مصدرا رئيسيا للبروبان والبيوتان والإيثان، والتي تستخدم في التدفئة والوقود والزراعة.

فقفز مؤشر أسعار الغاز الأوروبي. في اليوم السادس من الحرب بأكثر من 65% حيث بات القلق يسيطر على التعاملات.

وبالتالي، ينعكس ارتفاعا في الأسعار لا سيما للغاز المنزلي. وقد تواجه أوروبا شبح أزمة طاقة مماثلة لأزمة عام 2022 اثناء غزو روسيا لأوكرانيا. وتأتي هذه التوترات في وقت حرج بالنسبة للاتحاد الأوروبي الذي يستعد لوقف واردات المحروقات الروسية بشكل كامل في خريف العام 2027، بهدف حرمان روسيا من الموارد التي تموّل حربها في أوكرانيا.

الأمر الذي قد يجبر الاتحاد الأوروبي على إعادة خلط الأوراق وإعادة النظر في القرارات والنقاشات داخل دول الاتحاد حول هذا الخطر.

ما هو التأثير على النمو والتضخم في أوروبا؟

بحسب البنك المركزي الأوروبي، فإن ارتفاع أسعار البترول يؤثر مباشرة على معدلات التضخم. وبشكل يفوق تأثيره على نسبة النمو. فكل ارتفاع بنسبة 14% في أسعار النفط والغاز سيؤدي إلى ارتفاع التضخم بنسبة 0.5%.

وهذا يسمى بالتضخم المستورد. كما سيؤدي إلى إضعاف النمو بنسبة 0.1%. وبالنسبة لإحصائيات تداعيات الحرب في الشرق الأوسط نلفت إلى أن سعر النفط زاد بواقع 20%. خلال الأيام الثلاثة الأول من الحرب، والغاز زاد بأكثر من 30%.

كيف سيتفاعل البنك المركزي الأوروبي؟

عادة وعندما ترتفع الأسعار أي معدل التضخم، تقابله البنوك المركزية برفع معدلات الفائدة، والعكس صحيح. وفي الحالة الأوروبية، ما زالت معدلات التضخم تحت السيطرة أي دون المعدل الوسطي 2%. وهي حاليا تلامس الـ1.7%. فلن يقدم البنك المركزي الأوروبي على رفع الفائدة على الفور.

بانتظار معرفة التطورات ومسار التضخم. فالبنك المركزي الأوروبي لا يتأثر بتقلبات السوق قصيرة الأجل. ويتجاهل التقلبات المؤقتة في أسعار الطاقة. لكنه سيبقى متيقظا للتطورات.

إن ما توصلنا إليه من أرقام نتيجة التداعيات، وما توصلنا إليه من تحليل بعد ستة أيام من الحرب، قد يصبح بعد فترة من الماضي ومن الزمن الجميل، إذا صح التعبير، قياسا لما قد تؤول إليه التطورات في حال تفاقمت الأوضاع واتسعت رقعة الانخراط في الحرب وأصبحت الأمور خارج السيطرة.

فهذا السيناريو قد يكون وارداً، وسنكون على موعد مع أوضاع اقتصادية عالمية غير مستقرة سيكون لها انعكاسات جنونية على سوق الوظائف وأسواق المال والعملات وأسواق الطاقة، كما ستتضرر حركة التجارة العالمية، والسياحة واقتصادات صناعية كبرى مثل الصين واليابان والاتحاد الأوروبي، وذلك بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الخليج العربي.

أما في المنطقة، وحتى لا نكون متشائمين إلى هذا الحد، تبقى فسحة أمل وتفاؤل في بلدان اختارت التنويع في النشاط الاقتصادي، حيث أنه في الشرق الأوسط اقتصادات قوية مثل اقتصادات الخليج العربي، تتمتع بقدرة على الصمود، وبقدرة على الاستثمار وتغطية العجوزات التي قد تطرأ على موازناتها.

ومع ذلك، يبقى عامل الوقت سيّد الموقف في التطورات الحاصلة في المنطقة، على أمل أن تنتهي الحرب في مهلة قصيرة، لأن عدم الاستقرار وعدم الأمن والأمان العدو الرئيسي للاستثمار والمستثمرين.

مازن حمّود

إعلامي متخصّص في الاقتصاد وأسواق المال والبنوك

راديو أوريان/ مازن حمّود

بيّنت التجارب السابقة في الحروب والأزمات أن القطاعات الأكثر حيوية هي الأكثر تأثرا بالتوتر، ومن بين هذه القطاعات الغاز والنفط والسياحة والشحن البحري وأسواق المال.

فهذه المرة، الحرب التي بدأتها إسرائيل وأميركا على إيران، والرد الإيراني الذي طاول جيرانها، تحولّت لتأخذ بعداً إقليمياً، وفعّلت معها صبيحة تعاملات اليوم الثالث من الحرب )الإثنين الثاني من آذار مارس 2026( أسعار عقود الطاقة لتقفز على الفور بأكثر من 10%.

كما زادت أسعار عقود الغاز في أوروبا ما بين 30 إلى 50%، نتيجة لإعلان قطر التوقف عن إنتاج الغاز المسال. ناهيك عن تعرض منشآت للطاقة في كل من الإمارات والسعودية والكويت والبحرين وحتى سلطنة عمان، البلد الوسيط في المفاوضات بين واشنطن وطهران، تعرضت لضربات إيرانية.

ردة فعل الأسواق كانت متوقعة، وصودفت بعد يومين من الحرب التي اندلعت صباح يوم السبت، في وقت كانت معظم أسواق التعاملات في المال والطاقة مغلقة.

واستطاعت عقود النفط والغاز امتصاص الصدمة خلال عطلة نهاية الأسبوع )السبت والأحد( قبل الافتتاح يوم الإثنين، لتحلق فيما بعد عند نسب متفاوتة وتخطت ال20% للبترول خلال الأسبوع الأول من الحرب وال60% لعقود الغاز الأوروبية.

ارتفاع أسعار الطاقة رافقه التحكُّم الإيراني بمضيق هرمز الذي يقع على طول السواحل الجنوبية لإيران. وتعبره نسبة 20% من النفط، أغلبيته من السعودية والإمارات والعراق والكويت وإيران، إلى جانب كميات من الغاز الطبيعي المسال من قطر وبنسبة 25%.

فقطر تنتج نحو 20% من غاز العالم، وأوروبا تستورد 10% من احتياجاتها من هذا الغاز، والجزء الأكبر يتم تصديره إلى الصين والهند. فهذا الوضع يطرح إشكالية كبرى بالنسبة للدول النفطية، وصعوبة في تسويق نفطها وغازها.

فحالة الاقتصاد اليوم، انتقلت من معاناة رسوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجمركية، لتتضاف عليها تداعيات مغامرات وجولات حروب في منطقة الشرق الأوسط. إن المشهد الاقتصادي اليوم يحكُمه عامل الوقت وقدرة الاسواق على استيعاب الصدمة.

كما يتعلق بمدى تأثير ضغط إيران على مضيق هرمز وعلى حركة الشحن. فإذا استمرت حركة الشحن ولو بوتيرة متقطعة، وهدأت الأسعار نوعاً ما مع قرارات مجموعة )أوبك زائد( بزيادة الإنتاج، ولو أنها زيادة غير كافية غير كافية، فستكون الأضرار على النمو العالمي محدودة. أما وعلى العكس، فإن أسعار الطاقة قد تواصل اشتعالها تدريجيا مع الوقت، وستفرض واقعا تضخميا جديدا في العالم، وهذا سيضغط من جديد على سياسة البنوك المركزية.

إغلاق مضيق هرمز

في اليوم السادس من الحرب، دفعت التطورات بالمؤسسات المالية العالمية لدق ناقوس الخطر، وحذرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا من أن الاقتصاد العالمي يواجه محنة جديدة بسبب الحرب في الشرق الأوسط. فيما أعلنت كوريا الجنوبية تفعيل صندوق لإرساء الاستقرار في السوق المالية، بعد تسجيل هبوط تاريخي في بورصة سيول. من جهتها تبلغت الصين من الجهات الموردة من النفط المكرّر بتعليق تصدير المشتقات النفطية مع تزايد خطر حدوث أزمة في الإمدادات بسبب الحرب في الشرق الأوسط. تزامنا مع ذلك، أحكم الحرس الثوري الإيراني سيطرته الكاملة على مضيق هرمز مع تعرض سفن تنقل النفط للقصف والغرق.

فبحسب إحصائية أوبك السنوية، تصدّر السعودية أكثر من 7 ملايين برميل يوميا، إيران تصدر يوميا حوالي الـ1,7مليون برميل بترول.

قطر تصدر حوالي 500,000 برميل في اليوم، الإمارات تصدّر يوميا أكثر من 2مليون برميل. البحرين تصدّر يوميا حوالي ال100,000 برميل أي حوالي نصف انتاجها. الكويت تصدّر يوميا أكثر من مليون برميل. العراق يصدّر يوميا أكثر من مليوني برميل بترول. أما سلطنة عمان فتصدّر يوميا حوالي 900,000 برميل من إجمالي 1,200,000 برميل. وأعلن العراق تخفيض إنتاجه اليومي من البترول، وقد تتجه دول خليجية أخرى نحو الخطوة ذاتها.

أمام هذا المشهد وتراجع الإنتاج من هنا ومن هناك، فإن النقص المحتمل من النفط في الأسواق نتيجة الحرب وتوقف الشحن، لن تعوضه زيادة مجموعة أوبك زائد بواقع 200,000 برميل في اليوم.

كما أن ارتفاع سعر البرميل برنت الأوروبي وغرب تكساس الأميركي، سيضع العصي في دواليب عجلة النمو الاقتصادي في أوروبا وآسيا وأمريكا على حد سواء.

الولايات المتحدة والمزيد من إنتاج البترول

في الحالة الأميركية، ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، دعا الرئيس دونالد ترامب إلى تعزيز حفر الآبار، والبحث عن نفط إضافي وتقوية سلاسل الإنتاج على حساب حماية البيئة واعتماد الطاقة النظيفة. كما وعد بتوفير المحروقات بأسعار رخيصة. وهذا الرهان على رخص الأسعار، قد يفشل الرئيس ترامب بالوصول إليه. مع العلم أن ارتفاع سعر برميل النفط يعود بالنفع على الدول النفطية التي تعتمد على عائدات البترول من أجل موازناتها.

أسعار الفائدة وعامل التضخم

ارتفاع أسعار النفط سيدفع وبشكل تلقائي إلى الأعلى سعر المحروقات ومستويات الأسعار او التضخم مع احتساب سعر المحروقات. ارتفاع التضخم بدوره، سيلقي بثقله على سياسة الاحتياطي الفيدرالي الذي سيجد نفسه مضطرا لرفع سعر الفائدة. في وقت يصر الرئيس ترامب ويضغط على حاكم البنك المركزي. جيروم باول لتخفيض الفائدة. هنا أيضا، قد يفشل الرئيس الأمريكي بتحقيق مخططه الاقتصادي لبلاده.

على أية حال، ما زلنا في بداية التداعيات. وما زال من المبكر الحسم بقوتها اليوم.

الحالة الأسيوية

الصين من أكبر مستهلكي النفط في العالم، ومن بين أقوى معدلات النمو، ونسبة 56% من حاجاتها من النفط تعبر مضيق هرمز، وها هي تضغط على أطراف النزاع لوقف التصعيد والمحافظة على سلامة ممرات الشحن البحري.

وأي نقص من البترول قد يؤثر على نموها الاقتصادي والتصنيع، ويجعلها عرضة لتنافسية اقتصادات آسيوية أخرى لا تعتمد بنفس القوة على النفط. فالصين تُعدُّ المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، والذي يمر معظمه عبر مضيق هرمز.

أوروبا وارتباطها بنفط وغاز المنطقة

إن دول الاتحاد الأوروبي، وبعدما أصبح استيراد الطاقة من روسيا شبه معدوم منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، باتت تعتمد وبشكل متزايد على الواردات من منطقة الخليج عبر مضيق هرمز، كما تعتمد على قناة السويس.

وأصبحت إيطاليا وبلجيكا وبولندا، إلى جانب بريطانيا، التي لم تعد عضوا في الاتحاد، أكثر اعتمادا على واردات الغاز الطبيعي المسال، ولا سيما من قطر في كميات تمر عبر مضيق هرمز. وفقا لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. كما تعتبر دول الخليج العربية مصدرا رئيسيا للبروبان والبيوتان والإيثان، والتي تستخدم في التدفئة والوقود والزراعة.

فقفز مؤشر أسعار الغاز الأوروبي. في اليوم السادس من الحرب بأكثر من 65% حيث بات القلق يسيطر على التعاملات.

وبالتالي، ينعكس ارتفاعا في الأسعار لا سيما للغاز المنزلي. وقد تواجه أوروبا شبح أزمة طاقة مماثلة لأزمة عام 2022 اثناء غزو روسيا لأوكرانيا. وتأتي هذه التوترات في وقت حرج بالنسبة للاتحاد الأوروبي الذي يستعد لوقف واردات المحروقات الروسية بشكل كامل في خريف العام 2027، بهدف حرمان روسيا من الموارد التي تموّل حربها في أوكرانيا.

الأمر الذي قد يجبر الاتحاد الأوروبي على إعادة خلط الأوراق وإعادة النظر في القرارات والنقاشات داخل دول الاتحاد حول هذا الخطر.

ما هو التأثير على النمو والتضخم في أوروبا؟

بحسب البنك المركزي الأوروبي، فإن ارتفاع أسعار البترول يؤثر مباشرة على معدلات التضخم. وبشكل يفوق تأثيره على نسبة النمو. فكل ارتفاع بنسبة 14% في أسعار النفط والغاز سيؤدي إلى ارتفاع التضخم بنسبة 0.5%.

وهذا يسمى بالتضخم المستورد. كما سيؤدي إلى إضعاف النمو بنسبة 0.1%. وبالنسبة لإحصائيات تداعيات الحرب في الشرق الأوسط نلفت إلى أن سعر النفط زاد بواقع 20%. خلال الأيام الثلاثة الأول من الحرب، والغاز زاد بأكثر من 30%.

كيف سيتفاعل البنك المركزي الأوروبي؟

عادة وعندما ترتفع الأسعار أي معدل التضخم، تقابله البنوك المركزية برفع معدلات الفائدة، والعكس صحيح. وفي الحالة الأوروبية، ما زالت معدلات التضخم تحت السيطرة أي دون المعدل الوسطي 2%. وهي حاليا تلامس الـ1.7%. فلن يقدم البنك المركزي الأوروبي على رفع الفائدة على الفور.

بانتظار معرفة التطورات ومسار التضخم. فالبنك المركزي الأوروبي لا يتأثر بتقلبات السوق قصيرة الأجل. ويتجاهل التقلبات المؤقتة في أسعار الطاقة. لكنه سيبقى متيقظا للتطورات.

إن ما توصلنا إليه من أرقام نتيجة التداعيات، وما توصلنا إليه من تحليل بعد ستة أيام من الحرب، قد يصبح بعد فترة من الماضي ومن الزمن الجميل، إذا صح التعبير، قياسا لما قد تؤول إليه التطورات في حال تفاقمت الأوضاع واتسعت رقعة الانخراط في الحرب وأصبحت الأمور خارج السيطرة.

فهذا السيناريو قد يكون وارداً، وسنكون على موعد مع أوضاع اقتصادية عالمية غير مستقرة سيكون لها انعكاسات جنونية على سوق الوظائف وأسواق المال والعملات وأسواق الطاقة، كما ستتضرر حركة التجارة العالمية، والسياحة واقتصادات صناعية كبرى مثل الصين واليابان والاتحاد الأوروبي، وذلك بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الخليج العربي.

أما في المنطقة، وحتى لا نكون متشائمين إلى هذا الحد، تبقى فسحة أمل وتفاؤل في بلدان اختارت التنويع في النشاط الاقتصادي، حيث أنه في الشرق الأوسط اقتصادات قوية مثل اقتصادات الخليج العربي، تتمتع بقدرة على الصمود، وبقدرة على الاستثمار وتغطية العجوزات التي قد تطرأ على موازناتها.

ومع ذلك، يبقى عامل الوقت سيّد الموقف في التطورات الحاصلة في المنطقة، على أمل أن تنتهي الحرب في مهلة قصيرة، لأن عدم الاستقرار وعدم الأمن والأمان العدو الرئيسي للاستثمار والمستثمرين.

مازن حمّود

إعلامي متخصّص في الاقتصاد وأسواق المال والبنوك

مضيق هرمز.. نفط وغاز وتضخم وتداعيات على أسيا وأوروبا