• يونيو 9, 2026
  • يونيو 9, 2026

راديو أوريان

معركة أوروبا ضد السدود القديمة.. البيئة تنتصر على الخرسانة

مليون حاجز مائي يقسم الأنهار الأوروبية.. وخطة ضخمة لإزالتها

من السلمون إلى الطيور.. كيف تعيد الأنهار الحرة بناء النظم البيئية؟

قبل قرن من الزمن، كانت الدول تتباهى ببناء السدود. واليوم، تتباهى بعض الدول الأوروبية بهدمها.

المشهد يبدو متناقضًا، فالسدود كانت رمزًا للتنمية والطاقة والسيطرة على الطبيعة، لكن أوروبا بدأت تنظر إلى آلاف السدود القديمة باعتبارها عبئًا بيئيًا واقتصاديًا أكثر من كونها أصلًا تنمويًا.

القصة لا تتعلق بهدم البنية التحتية بقدر ما تتعلق بإعادة بناء الطبيعة.

وخلال عام 2025 وحده، أزالت 21 دولة أوروبية رقمًا قياسيًا بلغ 603 سدود وحواجز مائية، بزيادة 11% عن العام السابق، ما أعاد ربط أكثر من 3740 كيلومترًا من الأنهار التي ظلت مقطعة لعقود طويلة.

 

أوروبا تراجع قرنًا من السياسات المائية

على مدى أكثر من مئة عام، بنت الدول الأوروبية السدود والحواجز النهرية لتشغيل الطواحين والمصانع وتوليد الكهرباء وتحسين الملاحة والري، لكن الزمن تغيّر.

الآلاف من هذه المنشآت أصبحت مهجورة أو فقدت وظيفتها الاقتصادية بالكامل، بينما بقيت آثارها البيئية مستمرة.

اليوم تشير التقديرات إلى وجود نحو 1.2 مليون حاجز مائي على مختلف أنواعه في أنهار أوروبا.

وبينما لا تزال السدود الكبرى تؤدي أدوارًا استراتيجية في الطاقة والمياه، فإن عددًا هائلًا من الحواجز الصغيرة والمتوسطة لم يعد يحقق أي عائد يُذكر، لكنه يواصل تعطيل النظم البيئية.

لهذا بدأت أوروبا عملية مراجعة واسعة لما يسمى “النفايات الهيدرولوجية”؛ أي المنشآت المائية التي انتهى دورها وبقيت أضرارها.

لماذا أصبحت السدود القديمة مشكلة؟

  • أنهار مقطعة الأوصال

النهر بطبيعته نظام متصل.

عندما يُبنى سد، يتحول النهر إلى أجزاء منفصلة.

وتصبح الأسماك غير قادرة على الهجرة بين مناطق التغذية والتكاثر.

والنتيجة أن أنواعًا كاملة تبدأ بالتراجع.

المفوضية الأوروبية تشير إلى أن أكثر من 42% من أنواع أسماك المياه العذبة في أوروبا أصبحت مهددة.

أما الأسماك المهاجرة مثل السلمون والحفش فقد شهدت تراجعات حادة خلال العقود الماضية.

  • ارتفاع حرارة المياه

عندما يتدفق النهر بحرية تبقى مياهه باردة ومتجددة.

أما خلف السدود فتتحول المياه إلى خزانات راكدة تتعرض لأشعة الشمس لفترات أطول.

النتيجة ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض مستويات الأكسجين.

وهذا يخلق بيئة أقل ملاءمة للأسماك والكائنات المائية الحساسة.

 

  • خسائر مناخية غير متوقعة

الكثيرون يربطون السدود بالطاقة النظيفة.

لكن الحواجز القديمة المهجورة قد تنتج آثارًا مناخية معاكسة.

فالرواسب والمواد العضوية المحتجزة داخل الخزانات تتحلل مع الوقت وتطلق غاز الميثان، أحد أقوى الغازات المسببة للاحتباس الحراري.

كما أن كميات كبيرة من المياه المخزنة تُفقد بالتبخر، خصوصًا خلال موجات الحر المتزايدة في أوروبا.

  • مخاطر أمنية متزايدة

السدود المهجورة تحتاج إلى صيانة مستمرة.

لكن كثيرًا منها تُرك دون متابعة لعقود.

ومع زيادة الفيضانات والعواصف الناتجة عن التغير المناخي، أصبحت هذه المنشآت مصدر قلق للسلطات الأوروبية.

فبدلًا من حماية المجتمعات المحلية، قد تتحول بعض السدود المتقادمة إلى نقاط ضعف خطيرة. فنلندا تقدم نموذجًا لما يحدث بعد إزالة السدود وأحد أبرز الأمثلة جاء من نهر هيتولانيوكي في فنلندا.

بين عامي 2021 و2023 أزيلت ثلاثة سدود كهرومائية كانت تقطع النهر منذ أكثر من مئة عام. والنتيجة كانت سريعة ومذهلة.. عادت المياه إلى التدفق الطبيعي.

انخفضت درجة الحرارة.

تحسنت جودة الموائل البيئية.

ثم ظهر الحدث الأهم.

أسماك السلمون عادت إلى مناطق التكاثر لأول مرة منذ أوائل القرن العشرين. في بعض المناطق جرى أيضًا زراعة نحو ألف شجرة لتحسين النظام البيئي وتسريع التعافي الطبيعي للنهر.

من يقود الثورة الأوروبية ضد السدود؟

في عام 2025 تصدرت السويد القائمة بإزالة 173 حاجزًا مائيًا.

وجاءت فنلندا في المرتبة الثانية بـ143 حاجزًا.

ثم إسبانيا بـ109 حواجز.

لكن اللافت أن الظاهرة لم تعد مقتصرة على عدد محدود من الدول.

فقد امتدت إلى 21 دولة أوروبية، ما يعكس تحولًا سياسيًا وبيئيًا واسع النطاق.

ما الذي تستهدفه أوروبا بحلول 2030؟

الهدف الأوروبي الرسمي يتمثل في استعادة 25 ألف كيلومتر من الأنهار المتدفقة بحرية بحلول عام 2030.

لكن الخبراء يؤكدون أن إزالة مئات السدود سنويًا ليست سوى البداية.

فالنجاح الحقيقي لن يقاس بعدد السدود المهدومة، بل بقدرة القارة على إعادة بناء أنظمة نهرية كاملة تستطيع مواجهة الجفاف والفيضانات والتغير المناخي.

لذلك فإن أوروبا لا تهدم السدود لأنها ترفض التنمية، بل لأنها تعيد تعريف التنمية نفسها.

فبعد عقود من محاولة إخضاع الأنهار، تتجه القارة اليوم إلى فلسفة جديدة: “إعطاء النهر حريته قد يكون أحيانًا أكثر فائدة من بناء جدار جديد فوقه”.

وفي عالم يزداد سخونة وتقلبًا، يبدو أن بعض الحكومات الأوروبية قررت أن أفضل مشروع مائي للمستقبل ليس بناء سد جديد.. بل إزالة سد قديم.

راديو أوريان

معركة أوروبا ضد السدود القديمة.. البيئة تنتصر على الخرسانة

مليون حاجز مائي يقسم الأنهار الأوروبية.. وخطة ضخمة لإزالتها

من السلمون إلى الطيور.. كيف تعيد الأنهار الحرة بناء النظم البيئية؟

قبل قرن من الزمن، كانت الدول تتباهى ببناء السدود. واليوم، تتباهى بعض الدول الأوروبية بهدمها.

المشهد يبدو متناقضًا، فالسدود كانت رمزًا للتنمية والطاقة والسيطرة على الطبيعة، لكن أوروبا بدأت تنظر إلى آلاف السدود القديمة باعتبارها عبئًا بيئيًا واقتصاديًا أكثر من كونها أصلًا تنمويًا.

القصة لا تتعلق بهدم البنية التحتية بقدر ما تتعلق بإعادة بناء الطبيعة.

وخلال عام 2025 وحده، أزالت 21 دولة أوروبية رقمًا قياسيًا بلغ 603 سدود وحواجز مائية، بزيادة 11% عن العام السابق، ما أعاد ربط أكثر من 3740 كيلومترًا من الأنهار التي ظلت مقطعة لعقود طويلة.

 

أوروبا تراجع قرنًا من السياسات المائية

على مدى أكثر من مئة عام، بنت الدول الأوروبية السدود والحواجز النهرية لتشغيل الطواحين والمصانع وتوليد الكهرباء وتحسين الملاحة والري، لكن الزمن تغيّر.

الآلاف من هذه المنشآت أصبحت مهجورة أو فقدت وظيفتها الاقتصادية بالكامل، بينما بقيت آثارها البيئية مستمرة.

اليوم تشير التقديرات إلى وجود نحو 1.2 مليون حاجز مائي على مختلف أنواعه في أنهار أوروبا.

وبينما لا تزال السدود الكبرى تؤدي أدوارًا استراتيجية في الطاقة والمياه، فإن عددًا هائلًا من الحواجز الصغيرة والمتوسطة لم يعد يحقق أي عائد يُذكر، لكنه يواصل تعطيل النظم البيئية.

لهذا بدأت أوروبا عملية مراجعة واسعة لما يسمى “النفايات الهيدرولوجية”؛ أي المنشآت المائية التي انتهى دورها وبقيت أضرارها.

لماذا أصبحت السدود القديمة مشكلة؟

  • أنهار مقطعة الأوصال

النهر بطبيعته نظام متصل.

عندما يُبنى سد، يتحول النهر إلى أجزاء منفصلة.

وتصبح الأسماك غير قادرة على الهجرة بين مناطق التغذية والتكاثر.

والنتيجة أن أنواعًا كاملة تبدأ بالتراجع.

المفوضية الأوروبية تشير إلى أن أكثر من 42% من أنواع أسماك المياه العذبة في أوروبا أصبحت مهددة.

أما الأسماك المهاجرة مثل السلمون والحفش فقد شهدت تراجعات حادة خلال العقود الماضية.

  • ارتفاع حرارة المياه

عندما يتدفق النهر بحرية تبقى مياهه باردة ومتجددة.

أما خلف السدود فتتحول المياه إلى خزانات راكدة تتعرض لأشعة الشمس لفترات أطول.

النتيجة ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض مستويات الأكسجين.

وهذا يخلق بيئة أقل ملاءمة للأسماك والكائنات المائية الحساسة.

 

  • خسائر مناخية غير متوقعة

الكثيرون يربطون السدود بالطاقة النظيفة.

لكن الحواجز القديمة المهجورة قد تنتج آثارًا مناخية معاكسة.

فالرواسب والمواد العضوية المحتجزة داخل الخزانات تتحلل مع الوقت وتطلق غاز الميثان، أحد أقوى الغازات المسببة للاحتباس الحراري.

كما أن كميات كبيرة من المياه المخزنة تُفقد بالتبخر، خصوصًا خلال موجات الحر المتزايدة في أوروبا.

  • مخاطر أمنية متزايدة

السدود المهجورة تحتاج إلى صيانة مستمرة.

لكن كثيرًا منها تُرك دون متابعة لعقود.

ومع زيادة الفيضانات والعواصف الناتجة عن التغير المناخي، أصبحت هذه المنشآت مصدر قلق للسلطات الأوروبية.

فبدلًا من حماية المجتمعات المحلية، قد تتحول بعض السدود المتقادمة إلى نقاط ضعف خطيرة. فنلندا تقدم نموذجًا لما يحدث بعد إزالة السدود وأحد أبرز الأمثلة جاء من نهر هيتولانيوكي في فنلندا.

بين عامي 2021 و2023 أزيلت ثلاثة سدود كهرومائية كانت تقطع النهر منذ أكثر من مئة عام. والنتيجة كانت سريعة ومذهلة.. عادت المياه إلى التدفق الطبيعي.

انخفضت درجة الحرارة.

تحسنت جودة الموائل البيئية.

ثم ظهر الحدث الأهم.

أسماك السلمون عادت إلى مناطق التكاثر لأول مرة منذ أوائل القرن العشرين. في بعض المناطق جرى أيضًا زراعة نحو ألف شجرة لتحسين النظام البيئي وتسريع التعافي الطبيعي للنهر.

من يقود الثورة الأوروبية ضد السدود؟

في عام 2025 تصدرت السويد القائمة بإزالة 173 حاجزًا مائيًا.

وجاءت فنلندا في المرتبة الثانية بـ143 حاجزًا.

ثم إسبانيا بـ109 حواجز.

لكن اللافت أن الظاهرة لم تعد مقتصرة على عدد محدود من الدول.

فقد امتدت إلى 21 دولة أوروبية، ما يعكس تحولًا سياسيًا وبيئيًا واسع النطاق.

ما الذي تستهدفه أوروبا بحلول 2030؟

الهدف الأوروبي الرسمي يتمثل في استعادة 25 ألف كيلومتر من الأنهار المتدفقة بحرية بحلول عام 2030.

لكن الخبراء يؤكدون أن إزالة مئات السدود سنويًا ليست سوى البداية.

فالنجاح الحقيقي لن يقاس بعدد السدود المهدومة، بل بقدرة القارة على إعادة بناء أنظمة نهرية كاملة تستطيع مواجهة الجفاف والفيضانات والتغير المناخي.

لذلك فإن أوروبا لا تهدم السدود لأنها ترفض التنمية، بل لأنها تعيد تعريف التنمية نفسها.

فبعد عقود من محاولة إخضاع الأنهار، تتجه القارة اليوم إلى فلسفة جديدة: “إعطاء النهر حريته قد يكون أحيانًا أكثر فائدة من بناء جدار جديد فوقه”.

وفي عالم يزداد سخونة وتقلبًا، يبدو أن بعض الحكومات الأوروبية قررت أن أفضل مشروع مائي للمستقبل ليس بناء سد جديد.. بل إزالة سد قديم.

من بناء الحواجز إلى تحرير الأنهار.. لماذا تهدم أوروبا السدود؟