راديو أوريان

كل طرف يحاول توظيف أوراقه التفاوضية لتحقيق أكبر قدر من المكاسب

السلطات الجزائرية تسعى إلى تسليم معارضين مقيمين في فرنسا وتعتبرهم مطلوبين للعدالة

باريس تريد تسريع إجراءات استقبال الجزائر لرعاياها الصادرة بحقهم أوامر ترحيل

بعد نحو عامين من واحدة من أعنف الأزمات السياسية بين الجزائر وفرنسا، يعود الحوار الأمني والقضائي إلى الواجهة.

لكن هذه العودة لا تأتي في أجواء مصالحة كاملة، بل وسط شبكة معقدة من الملفات المتفجرة التي تمس الأمن والسياسة والقضاء والهجرة، وتجعل زيارة وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود التى تبدأ غداً إلى باريس أكثر من مجرد لقاء ثنائي عادي.

 لماذا تكتسب الزيارة أهمية استثنائية؟

تمثل الزيارة أول تحرك سياسي وأمني بهذا المستوى منذ الأزمة التي انفجرت عقب اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء، وهو القرار الذي اعتبرته الجزائر تحولاً استراتيجياً في الموقف الفرنسي.

لكن خلف العناوين الدبلوماسية، تبدو باريس والجزائر وكأنهما تتفاوضان على “صفقة شاملة” تتداخل فيها ملفات مكافحة الإرهاب، واسترداد الأموال المنهوبة، وتسليم مطلوبين، وترحيل مهاجرين غير نظاميين، ومستقبل التعاون الأمني بين البلدين.

 عقدة المعارضين.. الملف الأكثر حساسية

في مقدمة المطالب الجزائرية يأتي ملف المعارضين المقيمين في فرنسا.

الجزائر تريد تعاوناً أكبر في تنفيذ مذكرات التوقيف وتسليم شخصيات تعتبرها مطلوبة للعدالة، بينما تتمسك فرنسا بموقف قانوني أكثر تعقيداً يقوم على استقلال القضاء واشتراط وجود أدلة جنائية واضحة تتجاوز الطابع السياسي للقضايا.

وهنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فبينما ترى الجزائر أن بعض المعارضين تجاوزوا حدود النشاط السياسي إلى ارتكاب جرائم يعاقب عليها القانون، تنظر المؤسسات القضائية الفرنسية إلى العديد من هذه الملفات من زاوية حماية الحريات السياسية وحقوق اللجوء.

لذلك يبدو هذا الملف الأكثر صعوبة في تحقيق اختراق حقيقي بشأنه، مهما بلغت درجة التقارب السياسي بين الحكومتين.

 أموال الفساد.. معركة المليارات المؤجلة

الملف الثاني الذي يمنح الجزائر زخماً تفاوضياً يتعلق باسترداد الأموال والعقارات التي تعتقد السلطات أنها خرجت من البلاد خلال حقبة النظام السابق.

الجزائر تضغط منذ سنوات لاستعادة أصول مرتبطة بمسؤولين ورجال أعمال صدرت بحق بعضهم أحكام قضائية في قضايا فساد، وتعتبر أن استرجاع هذه الأموال يمثل اختباراً حقيقياً لجدية التعاون القضائي الفرنسي.

لكن باريس ترد دائماً بأن الأمر لا يُحسم سياسياً، بل عبر مسارات قضائية معقدة تتطلب إثبات مصدر الأموال وإصدار أحكام نهائية واحترام حقوق الملكية والإجراءات القانونية الأوروبية.

وبين الرغبة السياسية الجزائرية والقيود القضائية الفرنسية، ما زالت معظم الملفات تتحرك ببطء شديد.

فرنسا أيضاً تحمل مطالبها

الزيارة ليست منصة لعرض المطالب الجزائرية فقط.

باريس تنتظر من الجزائر تعاوناً ملموساً في ملفين تعتبرهما أولوية مباشرة.

الأول يتعلق بعناصر يشتبه الأمن الفرنسي بانتمائهم إلى شبكة “مافيا دي زاد”، المتورطة في غسل الأموال والاتجار بالمخدرات جنوب فرنسا.

أما الملف الثاني فيخص المهاجرين الجزائريين الذين صدرت بحقهم أوامر ترحيل ولم تتمكن السلطات الفرنسية من إعادتهم بسبب الخلافات السياسية التي سادت خلال الفترة الماضية.

ومن هنا تبدو المفاوضات أقرب إلى تبادل مطالب وضغوط متبادلة أكثر من كونها مساراً أحادي الاتجاه.

  الإعلام يدخل على خط التفاوض

اللافت أن مؤشرات الانفراج السياسي ترافقت مع تصعيد إعلامي جزائري تجاه فرنسا، خصوصاً بعد الانتقادات الحادة التي طالت وزير الخارجية الفرنسي على خلفية موقف بلاده من قضية الصحراء.

ويرى مراقبون أن هذا التزامن ليس صدفة، بل يعكس استراتيجية تقوم على الفصل بين لغة الدبلوماسية الرسمية ولغة الضغط الإعلامي، بما يسمح للجزائر بالحفاظ على أوراق تفاوضية إضافية خلال المباحثات.

ما وراء الزيارة؟

في جوهر الأمر، لا تتعلق الزيارة فقط بتسليم معارض أو استرداد أموال أو ترحيل مهاجرين.

إنها اختبار حقيقي لقدرة الجزائر وفرنسا على إدارة خلافاتهما الاستراتيجية دون الوصول إلى قطيعة دائمة.

فالبلدان يرتبطان بتاريخ معقد وتشابك بشري واقتصادي وأمني عميق يجعل استمرار الأزمة مكلفاً للطرفين.

لهذا تبدو باريس والجزائر اليوم أمام معادلة دقيقة: إعادة بناء الثقة تدريجياً، مع الإبقاء على الملفات الخلافية الكبرى مفتوحة على طاولة تفاوض قد يطول، لكنه بات ضرورة أكثر منه خياراً.

 

راديو أوريان

كل طرف يحاول توظيف أوراقه التفاوضية لتحقيق أكبر قدر من المكاسب

السلطات الجزائرية تسعى إلى تسليم معارضين مقيمين في فرنسا وتعتبرهم مطلوبين للعدالة

باريس تريد تسريع إجراءات استقبال الجزائر لرعاياها الصادرة بحقهم أوامر ترحيل

بعد نحو عامين من واحدة من أعنف الأزمات السياسية بين الجزائر وفرنسا، يعود الحوار الأمني والقضائي إلى الواجهة.

لكن هذه العودة لا تأتي في أجواء مصالحة كاملة، بل وسط شبكة معقدة من الملفات المتفجرة التي تمس الأمن والسياسة والقضاء والهجرة، وتجعل زيارة وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود التى تبدأ غداً إلى باريس أكثر من مجرد لقاء ثنائي عادي.

 لماذا تكتسب الزيارة أهمية استثنائية؟

تمثل الزيارة أول تحرك سياسي وأمني بهذا المستوى منذ الأزمة التي انفجرت عقب اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء، وهو القرار الذي اعتبرته الجزائر تحولاً استراتيجياً في الموقف الفرنسي.

لكن خلف العناوين الدبلوماسية، تبدو باريس والجزائر وكأنهما تتفاوضان على “صفقة شاملة” تتداخل فيها ملفات مكافحة الإرهاب، واسترداد الأموال المنهوبة، وتسليم مطلوبين، وترحيل مهاجرين غير نظاميين، ومستقبل التعاون الأمني بين البلدين.

 عقدة المعارضين.. الملف الأكثر حساسية

في مقدمة المطالب الجزائرية يأتي ملف المعارضين المقيمين في فرنسا.

الجزائر تريد تعاوناً أكبر في تنفيذ مذكرات التوقيف وتسليم شخصيات تعتبرها مطلوبة للعدالة، بينما تتمسك فرنسا بموقف قانوني أكثر تعقيداً يقوم على استقلال القضاء واشتراط وجود أدلة جنائية واضحة تتجاوز الطابع السياسي للقضايا.

وهنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فبينما ترى الجزائر أن بعض المعارضين تجاوزوا حدود النشاط السياسي إلى ارتكاب جرائم يعاقب عليها القانون، تنظر المؤسسات القضائية الفرنسية إلى العديد من هذه الملفات من زاوية حماية الحريات السياسية وحقوق اللجوء.

لذلك يبدو هذا الملف الأكثر صعوبة في تحقيق اختراق حقيقي بشأنه، مهما بلغت درجة التقارب السياسي بين الحكومتين.

 أموال الفساد.. معركة المليارات المؤجلة

الملف الثاني الذي يمنح الجزائر زخماً تفاوضياً يتعلق باسترداد الأموال والعقارات التي تعتقد السلطات أنها خرجت من البلاد خلال حقبة النظام السابق.

الجزائر تضغط منذ سنوات لاستعادة أصول مرتبطة بمسؤولين ورجال أعمال صدرت بحق بعضهم أحكام قضائية في قضايا فساد، وتعتبر أن استرجاع هذه الأموال يمثل اختباراً حقيقياً لجدية التعاون القضائي الفرنسي.

لكن باريس ترد دائماً بأن الأمر لا يُحسم سياسياً، بل عبر مسارات قضائية معقدة تتطلب إثبات مصدر الأموال وإصدار أحكام نهائية واحترام حقوق الملكية والإجراءات القانونية الأوروبية.

وبين الرغبة السياسية الجزائرية والقيود القضائية الفرنسية، ما زالت معظم الملفات تتحرك ببطء شديد.

فرنسا أيضاً تحمل مطالبها

الزيارة ليست منصة لعرض المطالب الجزائرية فقط.

باريس تنتظر من الجزائر تعاوناً ملموساً في ملفين تعتبرهما أولوية مباشرة.

الأول يتعلق بعناصر يشتبه الأمن الفرنسي بانتمائهم إلى شبكة “مافيا دي زاد”، المتورطة في غسل الأموال والاتجار بالمخدرات جنوب فرنسا.

أما الملف الثاني فيخص المهاجرين الجزائريين الذين صدرت بحقهم أوامر ترحيل ولم تتمكن السلطات الفرنسية من إعادتهم بسبب الخلافات السياسية التي سادت خلال الفترة الماضية.

ومن هنا تبدو المفاوضات أقرب إلى تبادل مطالب وضغوط متبادلة أكثر من كونها مساراً أحادي الاتجاه.

  الإعلام يدخل على خط التفاوض

اللافت أن مؤشرات الانفراج السياسي ترافقت مع تصعيد إعلامي جزائري تجاه فرنسا، خصوصاً بعد الانتقادات الحادة التي طالت وزير الخارجية الفرنسي على خلفية موقف بلاده من قضية الصحراء.

ويرى مراقبون أن هذا التزامن ليس صدفة، بل يعكس استراتيجية تقوم على الفصل بين لغة الدبلوماسية الرسمية ولغة الضغط الإعلامي، بما يسمح للجزائر بالحفاظ على أوراق تفاوضية إضافية خلال المباحثات.

ما وراء الزيارة؟

في جوهر الأمر، لا تتعلق الزيارة فقط بتسليم معارض أو استرداد أموال أو ترحيل مهاجرين.

إنها اختبار حقيقي لقدرة الجزائر وفرنسا على إدارة خلافاتهما الاستراتيجية دون الوصول إلى قطيعة دائمة.

فالبلدان يرتبطان بتاريخ معقد وتشابك بشري واقتصادي وأمني عميق يجعل استمرار الأزمة مكلفاً للطرفين.

لهذا تبدو باريس والجزائر اليوم أمام معادلة دقيقة: إعادة بناء الثقة تدريجياً، مع الإبقاء على الملفات الخلافية الكبرى مفتوحة على طاولة تفاوض قد يطول، لكنه بات ضرورة أكثر منه خياراً.

 

هجرة وأموال منهوبة.. ماذا يحمل وزير الداخلية الجزائري إلى باريس؟