راديو أوريان/ مازن حمّود
دفعت السياسة الجمركية الأميركية، التي اعتمدها الرئيس دونالد ترامب مطلع العام 2025 في نسب تخطت أحيانا الـ 100 في المئة، بعديد من الدول الشريكة للولايات المتحدة تجارياً للبحث عن شركاء جدد وتحالفات جديدة، تكون صمّام أمان بوجه تسونامي الضرائب.
كما أعادت خلط الأوراق في مبادئ العولمة التي رسّخت وجودها في التسعينات. وشهدنا مؤخراً على تحالفات مثل كندا مع الصين، والاتحاد الأوروبي مع الهند. وكل هذه الدول ذاقت الأمرّين من رسوم الرئيس ترامب. وقد تكشف لنا الأيام القادمة تحالفات أخرى على الرغم من اعتبار المحكمة العليا الأميركية بعض رسوم الرئيس ترامب لاغية وغير شرعية.
فالرئيس الأميركي يدافع عن رسومه بحجة إعادة التوازن إلى ميزان بلاده التجاري الخاسر. فسياسات الرئيس ترامب لم تغيّر اتجاه سكة العولمة فحسب، بل خلقت فوضى مالية واقتصادية وتجارية وتسللت إلى أسواق الطاقة والمواد الأولية والعملات. فالدولار بات يتقلّب على أنغام أسعار الفائدة والاستثمار في الفضة والذهب اللذين يحلّقان في فضاءات ليس لها حدود. أما أسعار النفط، فباتت تبحث عن مستقر بين اضطراب الأجواء الجيوسياسية وطبول الحرب، وبين أساسيات العرض والطلب.
هذه الحالة من عدم اليقين فرضت على الدول الناشئة وفي طليعتها الصين والهند، وكلاهما عضو في مجموعة بريكس، البحث عن شركاء في الغرب يؤثّرون في المعادلة الاقتصادية وشراكاتها مع الولايات المتحدة.
كما فرضت على الاتحاد الأوروبي أن يكون مستقلا إلى حدّ ما عن الولايات المتحدة. أضف إلى ذلك، تعرضت الهند لضغوط أميركية كفرض رسوم جمركية باهظة عليها، إضافة إلى تهديدها إذا استمرت بشراء النفط الروسي. وفيما يلي سنبحث دور وأهمية التحالفات الاقتصادية والتجارية الجديدة ولا سيما بين الاتحاد الأوروبي والهند الخامسة عالميا اليوم، ومرشحة لتصبح قوة اقتصادية رابعة تحل محل اليابان، وتأتي بعد أميريكا والصين وألمانيا. وذلك نسبةً لنموها الاقتصادي الذي قارب 7%. فماذا سيستفيد الاتحاد الأوروبي من الهند والعكس؟
الاتفاقية ثمرة مفاوضات استمرت عقدين
بعد 20 عاما من المفاوضات وقّع الاتحاد الأوروبي والهند اتفاقية تعاون وتبادل، يعمل الاتحاد الأوروبي من خلالها على جعل الهند الشريك المصنّع الأساسي لديه من خلال استراتيجية تشجع نقل التصنيع من الصين إلى الهند تدريجياً في اتفاقية تحمل بعداً جيوسياسي وولادة قطب جديد في العالم يضم أكثر من 1,9 مليار بشري. )450 مليون في أوروبا، و1.5 مليار تقريبا في الهند (وستستفيد أوروبا من الوصول إلى سوق هندية استهلاكية تتميز بنمو متسارع.
ويبلغ حجم التجارة اليوم بين الطرفين 136مليار دولار، من بينها صادرات هندية لأوروبا ب76 مليار. الاتحاد الأوروبي، وفي تقاربه مع نيودلهي، يبحث عن استراتيجية للحد من مخاطر رسوم الرئيس الأميركي، وأيضا المخاطر المحتملة من جهة الصين التي فرضت هي أيضا رسوما إضافية على الواردات الأوروبية. أما الهند، فستستفيد من الاتفاقية مع الاتحاد الأوروبي، ولا سيما من صيغة صُنع في الهند، وتوريد البضائع الأوروبية المصنّعة.
في مقابلة مع راديو أوريان، يرى دكتور ريّان ليمند الخبير الاقتصادي والمالي الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة نيو فيجن لإدارة السندات، أن النظام العالمي الذي كان يعتمد على التجارة الحرّة )العولمة( أصبح من الماضي، وأن الهند مرشحة لتحل محل الصين في المرتبة الثانية عالميا بشرطين: التركيز على الاستهلاك الداخلي مثلما فعلت الصين، وأن تؤكد قدرتها على تصنيع المنتجات الأوروبية.
وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، يرى الدكتورليمند أن الاتحاد الأوروبي سيحقق فارق واضح في التجارة مع إقبال السوق الهندية على بضائعه. أما بالنسبة للنزاع التجاري الأميركي الأوروبي، فيرى الخبير الاقتصادي أن الاقتصاد الأميركي اليوم هو الأقوى، لأنه أصبح اقتصادا استهلاكيا أكثر مما هو اقتصاد ادّخاري. أضف إلى ذلك. وردا على الضغوط الأمريكية على الاتحاد الأوروبي، يرى الخبير أن أوروبا تمتلك أسلحة قوية بوجه الولايات المتحدة. فيكفي، على سبيل المثال، أن يوقف الاتحاد الأوروبي بيع قطع أوروبية ضرورية لتصنيع الطائرات إف 35 الحربية الأميريكية، أو إذا قرّر بيع سندات خزانة أمريكية في الأسواق العالمية.
تداعيات الرسوم الجمركية على الذهب والدولار
نتيجةً لسياسة التوعّد والوعيد التجارية، لجأت معظم استثمارات كبرى المؤسسات العالمية الى المعدن الأصفر الثمين والى الفضّة، كملجأ يحمي الاستثمارات من التقلبات في الأسواق في زمن التوترات. وتخطّت بورصة الذهب ال 5 الاف دولار كما تخطى سعر اونصة الفضّة ال 100 دولار.
في معرض إجابته عن مستقبل سعر أونصة الذهب، يعتبر دكتور ريّان ليمند أن المعدن الأصفر ممكن أن يخف لمعانُه إذا عادت العلاقات الاقتصادية والتجارية بين بكين وواشنطن إلى طبيعتها، وبالتالي عودة العولمة إلى قنوات التبادلات.
الخلاصة، فالسياسة التجارية الأمريكية أدخلتنا في عصر جديد مفتوح على المفاجآت، والمزيد من التوتر في الأسواق. كما أدّت سياسة تدخُّل البيت الأبيض في قرارات الاحتياطي الفيدرالي )البنك المركزي (في تحديد وجهة أسعار الفائدة والتعرض لاستقلالية البنوك المركزية، إلى التخلي عن الدولار الذي أصبح الاحتياطي العالمي منه في تراجع مستمر. وذلك لصالح اليورو والذهب.
إلا أن الدولار يبقى العملة الأقوى عالمياً. فهو عملة التجارة والذهب والنفط، إلى حين ظهور تحالفات نقدية مشتركة جديدة على غرار التحالفات التجارية الحاصلة اليوم، ولا سيما لمجموعة بريكس التي تريد الحدّ من هيمنة الدولار والتبادل في عملات أخرى مثل اليوان الصيني والروبل الروسي.
راديو أوريان/ مازن حمّود
دفعت السياسة الجمركية الأميركية، التي اعتمدها الرئيس دونالد ترامب مطلع العام 2025 في نسب تخطت أحيانا الـ 100 في المئة، بعديد من الدول الشريكة للولايات المتحدة تجارياً للبحث عن شركاء جدد وتحالفات جديدة، تكون صمّام أمان بوجه تسونامي الضرائب.
كما أعادت خلط الأوراق في مبادئ العولمة التي رسّخت وجودها في التسعينات. وشهدنا مؤخراً على تحالفات مثل كندا مع الصين، والاتحاد الأوروبي مع الهند. وكل هذه الدول ذاقت الأمرّين من رسوم الرئيس ترامب. وقد تكشف لنا الأيام القادمة تحالفات أخرى على الرغم من اعتبار المحكمة العليا الأميركية بعض رسوم الرئيس ترامب لاغية وغير شرعية.
فالرئيس الأميركي يدافع عن رسومه بحجة إعادة التوازن إلى ميزان بلاده التجاري الخاسر. فسياسات الرئيس ترامب لم تغيّر اتجاه سكة العولمة فحسب، بل خلقت فوضى مالية واقتصادية وتجارية وتسللت إلى أسواق الطاقة والمواد الأولية والعملات. فالدولار بات يتقلّب على أنغام أسعار الفائدة والاستثمار في الفضة والذهب اللذين يحلّقان في فضاءات ليس لها حدود. أما أسعار النفط، فباتت تبحث عن مستقر بين اضطراب الأجواء الجيوسياسية وطبول الحرب، وبين أساسيات العرض والطلب.
هذه الحالة من عدم اليقين فرضت على الدول الناشئة وفي طليعتها الصين والهند، وكلاهما عضو في مجموعة بريكس، البحث عن شركاء في الغرب يؤثّرون في المعادلة الاقتصادية وشراكاتها مع الولايات المتحدة.
كما فرضت على الاتحاد الأوروبي أن يكون مستقلا إلى حدّ ما عن الولايات المتحدة. أضف إلى ذلك، تعرضت الهند لضغوط أميركية كفرض رسوم جمركية باهظة عليها، إضافة إلى تهديدها إذا استمرت بشراء النفط الروسي. وفيما يلي سنبحث دور وأهمية التحالفات الاقتصادية والتجارية الجديدة ولا سيما بين الاتحاد الأوروبي والهند الخامسة عالميا اليوم، ومرشحة لتصبح قوة اقتصادية رابعة تحل محل اليابان، وتأتي بعد أميريكا والصين وألمانيا. وذلك نسبةً لنموها الاقتصادي الذي قارب 7%. فماذا سيستفيد الاتحاد الأوروبي من الهند والعكس؟
الاتفاقية ثمرة مفاوضات استمرت عقدين
بعد 20 عاما من المفاوضات وقّع الاتحاد الأوروبي والهند اتفاقية تعاون وتبادل، يعمل الاتحاد الأوروبي من خلالها على جعل الهند الشريك المصنّع الأساسي لديه من خلال استراتيجية تشجع نقل التصنيع من الصين إلى الهند تدريجياً في اتفاقية تحمل بعداً جيوسياسي وولادة قطب جديد في العالم يضم أكثر من 1,9 مليار بشري. )450 مليون في أوروبا، و1.5 مليار تقريبا في الهند (وستستفيد أوروبا من الوصول إلى سوق هندية استهلاكية تتميز بنمو متسارع.
ويبلغ حجم التجارة اليوم بين الطرفين 136مليار دولار، من بينها صادرات هندية لأوروبا ب76 مليار. الاتحاد الأوروبي، وفي تقاربه مع نيودلهي، يبحث عن استراتيجية للحد من مخاطر رسوم الرئيس الأميركي، وأيضا المخاطر المحتملة من جهة الصين التي فرضت هي أيضا رسوما إضافية على الواردات الأوروبية. أما الهند، فستستفيد من الاتفاقية مع الاتحاد الأوروبي، ولا سيما من صيغة صُنع في الهند، وتوريد البضائع الأوروبية المصنّعة.
في مقابلة مع راديو أوريان، يرى دكتور ريّان ليمند الخبير الاقتصادي والمالي الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة نيو فيجن لإدارة السندات، أن النظام العالمي الذي كان يعتمد على التجارة الحرّة )العولمة( أصبح من الماضي، وأن الهند مرشحة لتحل محل الصين في المرتبة الثانية عالميا بشرطين: التركيز على الاستهلاك الداخلي مثلما فعلت الصين، وأن تؤكد قدرتها على تصنيع المنتجات الأوروبية.
وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، يرى الدكتورليمند أن الاتحاد الأوروبي سيحقق فارق واضح في التجارة مع إقبال السوق الهندية على بضائعه. أما بالنسبة للنزاع التجاري الأميركي الأوروبي، فيرى الخبير الاقتصادي أن الاقتصاد الأميركي اليوم هو الأقوى، لأنه أصبح اقتصادا استهلاكيا أكثر مما هو اقتصاد ادّخاري. أضف إلى ذلك. وردا على الضغوط الأمريكية على الاتحاد الأوروبي، يرى الخبير أن أوروبا تمتلك أسلحة قوية بوجه الولايات المتحدة. فيكفي، على سبيل المثال، أن يوقف الاتحاد الأوروبي بيع قطع أوروبية ضرورية لتصنيع الطائرات إف 35 الحربية الأميريكية، أو إذا قرّر بيع سندات خزانة أمريكية في الأسواق العالمية.
تداعيات الرسوم الجمركية على الذهب والدولار
نتيجةً لسياسة التوعّد والوعيد التجارية، لجأت معظم استثمارات كبرى المؤسسات العالمية الى المعدن الأصفر الثمين والى الفضّة، كملجأ يحمي الاستثمارات من التقلبات في الأسواق في زمن التوترات. وتخطّت بورصة الذهب ال 5 الاف دولار كما تخطى سعر اونصة الفضّة ال 100 دولار.
في معرض إجابته عن مستقبل سعر أونصة الذهب، يعتبر دكتور ريّان ليمند أن المعدن الأصفر ممكن أن يخف لمعانُه إذا عادت العلاقات الاقتصادية والتجارية بين بكين وواشنطن إلى طبيعتها، وبالتالي عودة العولمة إلى قنوات التبادلات.
الخلاصة، فالسياسة التجارية الأمريكية أدخلتنا في عصر جديد مفتوح على المفاجآت، والمزيد من التوتر في الأسواق. كما أدّت سياسة تدخُّل البيت الأبيض في قرارات الاحتياطي الفيدرالي )البنك المركزي (في تحديد وجهة أسعار الفائدة والتعرض لاستقلالية البنوك المركزية، إلى التخلي عن الدولار الذي أصبح الاحتياطي العالمي منه في تراجع مستمر. وذلك لصالح اليورو والذهب.
إلا أن الدولار يبقى العملة الأقوى عالمياً. فهو عملة التجارة والذهب والنفط، إلى حين ظهور تحالفات نقدية مشتركة جديدة على غرار التحالفات التجارية الحاصلة اليوم، ولا سيما لمجموعة بريكس التي تريد الحدّ من هيمنة الدولار والتبادل في عملات أخرى مثل اليوان الصيني والروبل الروسي.


