محمد باهارون ونارايانابا جاناردان
إيران قد تخسر من هجومها على دول الخليج أكثر مما ستخسره من هجمات الولايات المتحدة وإسرائيل عليها.
السماء فوق الإمارات والتي كانت دوما رمزا لطموحها وقدرتها على ربط العالم، بدأت تغطيها مؤخرا سحابات دخان صراع لم تبدأه.
ففي خلال الفترة منذ 28 فبراير واجهت الإمارات موجة غير مسبوقة من ما يقرب 2041 صاروخا بالستيا وجوال ومسيرة إيرانية استطاعت اعتراضها بنسبة تجاوزت أكثر من 93%. وفي حين أن طهران تتدعي أن هجماتها هي رد على عملية أمريكية-إسرائيلية مشتركة فإ الواقع على الأرض يشير أن الإمارات تدفع ثمن صراع إقليمي حاولت جاهدة أن تمنع نشوبه.
إذا لماذا قامت إيران باستهداف الإمارات بأربعة أضعاف الهجمات التي استهدفت بها إسرائيل، رغم أن الإمارات ليست طرفا في الحرب؟.
التبرير الإيراني قد يكون له وجهين: الأول أن هناك ميزة تكتيكية في استخدام الصواريخ والمسيرات قصيرة المدى التي لا تستطيع استخدامها ضد إسرائيل عبر مهاجمة جيرانها الأقرب لها. الثاني أن استراتيجية إيران الأوسع تهدف إلى رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة عبر استهداف الاقتصاد العالمي.
في الحالتين فإن إيران قد ارتكبت أخطاء فادحة في حساباتها. فقد قللت من قدرة الإمارات واستعدادها للتعامل مع هذا السيناريو بالذات حيث أن الإمارات أثبتت قدرة فذة باعتراض الهجمات التي وجهتها إيران، وفي نفس الوقت فإنها بقت ملتزمة بموقفها الدفاعي وعدم التحول إلى الهجوم.
في ذات الوقف فإن نمط الهجمات أثار الكثير من المخاوف حيث أن المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة، معالي أنور قرقاش أشار إلى أن ” كذب العدوان الإيراني حين يدّعي استهداف القواعد العسكرية الأميركية في الخليج؛ فأرقام الصواريخ والمسيّرات تكشف حقيقة مختلفة. فالهجمات تطال البنى التحتية المدنية والمنشآت الحيوية دون اعتبار للمدنيين والأبرياء”.
الإمارات وسياسة ضبط النفس
لقد التزمت الإمارات بضبط النفس لكن “الدفاع السلبي لدول الخليج له حدود” كما أوضح د. علي النعيمي، وهو عضو بارز في البرلمان الإماراتي، إذا قال “إذا استمر العدوان ضد المواطنين والمقيمين والمرافق المدنية فإنه الدفاع لن يكفي” مشيرا إلى أن الإمارات تتجنب أن ترغمها الظروف لأن تصبح طرفا في حرب ستضر الشعب الإيراني قائلا “نحن نريد الخير للشعب الإيراني”.
من ناحية أخرى فإن إيران ارتكبت خطأ استراتيجيا بتجريف الأسس التي سعت لتحويل مكانتها الإقليمية وتحويلها من عدو إلى شريك. فالتفاهم السعودي-الإيراني في 2023، والذي سهلته جهود من العراق وعمان والصين، والذي رحبت به الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي كان محاول لبناء الجسور فوق الخلافات التي ميزت علاقة إيران بدول الخليج بما فيها الخلاف حول احتلال إيران لجزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، ودعمها لمليشيات مسلحة شنت هجمات على دول الخليج كالحوثيين.
وخلال حرب ال 12 يوما في يونيو الماضي فإن جميع دول الخليج أدانت الهجمات الإسرائيلية وطالبت إيران بخفض التصعيد في اصطفاف غير مسبوق مع إيران. وحتى بعد أن هاجمت إيران قاعدة العديد في قطر في عدوان غير مسبوق على سيادة دولة خليجية فإن قطر دعت طهران للمشاركة في قمة عربية إسلامية في الدوحة لمناقشة رد جماعي على هجوم إسرائيلي على الدوحة.
إن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817 (2026) الذي تم اقراره في 11 مارس يشير إل تحول كبير في التصورات الإقليمية في إيران عن تلك المواقف التي قبلها. لقد تم أعادة إيران لخانة العدو بعد أن تحولت إلى شريك. إن القرار الذي أدان “الاعتداء الغاشم” على جيران إيران حول إيران وحكومتها إلى خصم لدولة الإمارات. وقد كانت كلمة المبعوث الدائم لبعثة الإمارات محمد أبو شهاب بعد إقرار القرار واضحة حين انها تصريحه بأن القرار “رسالة إلى أعدائنا”.
إن الرسالة واضحة، فإيران قد تخسر من هجومها على دول الخليج أكثر مما ستخسره من هجمات الولايات المتحدة وإسرائيل عليها.
إن إيران لا يجب أن تغفل أنها تدفع العالم لتشكيل تحالف دولي ضد تهديدها للسلم والأمن الدوليين واعتدائها غير المبرر وذلك بموجب البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة وأن دول الخليج ستضطر للمشاركة. وقد يكون قرار إدانة الذي أصدره مجلس الأمن الدولي قد فتح الباب أمام خطر لا تريده أي دول المنطقة.
لدى إيران الفرصة لتغير وجهة هذا المسار وأن تضع نصب أعينها المستقبل الذي تريده لشعبها ومن سيكون شركائها في ذلك المستقبل. إن قدر إيران لا يجب أن يكون صراعا أبديا، كما أن ذلك الصراع لن يحدد قدر الإمارات وباقي دول الخليج. إن هذه الحرب “ليست حربنا” والحكمة تقتضي ألا تجعلها إيران حربنا.
لقد قال الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، إن الإمارات قد تكون جميلة ولكن “جلدها غليظ ولحمها مر”.
إن كل عواصم الإمارات السبع في البلاد مدن ذات موانئ، وهو ما رسخ في جيناتها أنها دولة مبنية على الترابط الاقتصادي مع دول العالم ما جعل التعاون، لا الصراع، أساس رؤيتها للعالم، وهو ما جعل الترابط والتجارة والتعايش جزء من جيناتها وهو ما جعل التعاون الاقتصادي والتجاري مع إيران يستمر حتى في أحلك الأوقات.
إن هذه الحرب التي بدأت تهدد مفهوم الرخاء المشترك لن تغير هوية الإمارات والتي أسسها الشراكة والحياد والسيادة والتقدم، ولكن إن اضطرتها الظروف فإنها قادرة على التكيف مع الظروف التي تفرض عليها دون أن تضحي بقيمها.
محمد باهارون: المدير العام لمركز دبي لبحوث السياسات العامة
د. نارايانابا جاناردان: مدير إدارة البحوث والتحليل والمدير الأكاديمي بالإنابة بأكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية.
محمد باهارون ونارايانابا جاناردان
إيران قد تخسر من هجومها على دول الخليج أكثر مما ستخسره من هجمات الولايات المتحدة وإسرائيل عليها.
السماء فوق الإمارات والتي كانت دوما رمزا لطموحها وقدرتها على ربط العالم، بدأت تغطيها مؤخرا سحابات دخان صراع لم تبدأه.
ففي خلال الفترة منذ 28 فبراير واجهت الإمارات موجة غير مسبوقة من ما يقرب 2041 صاروخا بالستيا وجوال ومسيرة إيرانية استطاعت اعتراضها بنسبة تجاوزت أكثر من 93%. وفي حين أن طهران تتدعي أن هجماتها هي رد على عملية أمريكية-إسرائيلية مشتركة فإ الواقع على الأرض يشير أن الإمارات تدفع ثمن صراع إقليمي حاولت جاهدة أن تمنع نشوبه.
إذا لماذا قامت إيران باستهداف الإمارات بأربعة أضعاف الهجمات التي استهدفت بها إسرائيل، رغم أن الإمارات ليست طرفا في الحرب؟.
التبرير الإيراني قد يكون له وجهين: الأول أن هناك ميزة تكتيكية في استخدام الصواريخ والمسيرات قصيرة المدى التي لا تستطيع استخدامها ضد إسرائيل عبر مهاجمة جيرانها الأقرب لها. الثاني أن استراتيجية إيران الأوسع تهدف إلى رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة عبر استهداف الاقتصاد العالمي.
في الحالتين فإن إيران قد ارتكبت أخطاء فادحة في حساباتها. فقد قللت من قدرة الإمارات واستعدادها للتعامل مع هذا السيناريو بالذات حيث أن الإمارات أثبتت قدرة فذة باعتراض الهجمات التي وجهتها إيران، وفي نفس الوقت فإنها بقت ملتزمة بموقفها الدفاعي وعدم التحول إلى الهجوم.
في ذات الوقف فإن نمط الهجمات أثار الكثير من المخاوف حيث أن المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة، معالي أنور قرقاش أشار إلى أن ” كذب العدوان الإيراني حين يدّعي استهداف القواعد العسكرية الأميركية في الخليج؛ فأرقام الصواريخ والمسيّرات تكشف حقيقة مختلفة. فالهجمات تطال البنى التحتية المدنية والمنشآت الحيوية دون اعتبار للمدنيين والأبرياء”.
الإمارات وسياسة ضبط النفس
لقد التزمت الإمارات بضبط النفس لكن “الدفاع السلبي لدول الخليج له حدود” كما أوضح د. علي النعيمي، وهو عضو بارز في البرلمان الإماراتي، إذا قال “إذا استمر العدوان ضد المواطنين والمقيمين والمرافق المدنية فإنه الدفاع لن يكفي” مشيرا إلى أن الإمارات تتجنب أن ترغمها الظروف لأن تصبح طرفا في حرب ستضر الشعب الإيراني قائلا “نحن نريد الخير للشعب الإيراني”.
من ناحية أخرى فإن إيران ارتكبت خطأ استراتيجيا بتجريف الأسس التي سعت لتحويل مكانتها الإقليمية وتحويلها من عدو إلى شريك. فالتفاهم السعودي-الإيراني في 2023، والذي سهلته جهود من العراق وعمان والصين، والذي رحبت به الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي كان محاول لبناء الجسور فوق الخلافات التي ميزت علاقة إيران بدول الخليج بما فيها الخلاف حول احتلال إيران لجزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، ودعمها لمليشيات مسلحة شنت هجمات على دول الخليج كالحوثيين.
وخلال حرب ال 12 يوما في يونيو الماضي فإن جميع دول الخليج أدانت الهجمات الإسرائيلية وطالبت إيران بخفض التصعيد في اصطفاف غير مسبوق مع إيران. وحتى بعد أن هاجمت إيران قاعدة العديد في قطر في عدوان غير مسبوق على سيادة دولة خليجية فإن قطر دعت طهران للمشاركة في قمة عربية إسلامية في الدوحة لمناقشة رد جماعي على هجوم إسرائيلي على الدوحة.
إن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817 (2026) الذي تم اقراره في 11 مارس يشير إل تحول كبير في التصورات الإقليمية في إيران عن تلك المواقف التي قبلها. لقد تم أعادة إيران لخانة العدو بعد أن تحولت إلى شريك. إن القرار الذي أدان “الاعتداء الغاشم” على جيران إيران حول إيران وحكومتها إلى خصم لدولة الإمارات. وقد كانت كلمة المبعوث الدائم لبعثة الإمارات محمد أبو شهاب بعد إقرار القرار واضحة حين انها تصريحه بأن القرار “رسالة إلى أعدائنا”.
إن الرسالة واضحة، فإيران قد تخسر من هجومها على دول الخليج أكثر مما ستخسره من هجمات الولايات المتحدة وإسرائيل عليها.
إن إيران لا يجب أن تغفل أنها تدفع العالم لتشكيل تحالف دولي ضد تهديدها للسلم والأمن الدوليين واعتدائها غير المبرر وذلك بموجب البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة وأن دول الخليج ستضطر للمشاركة. وقد يكون قرار إدانة الذي أصدره مجلس الأمن الدولي قد فتح الباب أمام خطر لا تريده أي دول المنطقة.
لدى إيران الفرصة لتغير وجهة هذا المسار وأن تضع نصب أعينها المستقبل الذي تريده لشعبها ومن سيكون شركائها في ذلك المستقبل. إن قدر إيران لا يجب أن يكون صراعا أبديا، كما أن ذلك الصراع لن يحدد قدر الإمارات وباقي دول الخليج. إن هذه الحرب “ليست حربنا” والحكمة تقتضي ألا تجعلها إيران حربنا.
لقد قال الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، إن الإمارات قد تكون جميلة ولكن “جلدها غليظ ولحمها مر”.
إن كل عواصم الإمارات السبع في البلاد مدن ذات موانئ، وهو ما رسخ في جيناتها أنها دولة مبنية على الترابط الاقتصادي مع دول العالم ما جعل التعاون، لا الصراع، أساس رؤيتها للعالم، وهو ما جعل الترابط والتجارة والتعايش جزء من جيناتها وهو ما جعل التعاون الاقتصادي والتجاري مع إيران يستمر حتى في أحلك الأوقات.
إن هذه الحرب التي بدأت تهدد مفهوم الرخاء المشترك لن تغير هوية الإمارات والتي أسسها الشراكة والحياد والسيادة والتقدم، ولكن إن اضطرتها الظروف فإنها قادرة على التكيف مع الظروف التي تفرض عليها دون أن تضحي بقيمها.
محمد باهارون: المدير العام لمركز دبي لبحوث السياسات العامة
د. نارايانابا جاناردان: مدير إدارة البحوث والتحليل والمدير الأكاديمي بالإنابة بأكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية.


