عماد السيد
من شعار 2% إلى هدف 5%.. كيف غيّر ترامب فلسفة الإنفاق العسكري داخل الناتو؟
ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وبولندا.. كيف تختلف حسابات القوى الكبرى داخل الحلف؟
بند الـ1.5%.. هل يبني قوة عسكرية جديدة أم يمنح الحكومات مساحة للمناورة المحاسبية؟
لم تعد قمة حلف شمال الأطلسي مجرد اجتماع لمناقشة الأمن الأوروبي، بل أصبحت اختبارًا لمستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها.
فمنذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، انتقلت أجندة الناتو من سؤال “كيف نردع روسيا؟” إلى سؤال أكثر تعقيدًا: “من سيدفع تكلفة الردع؟”.
وبينما يدخل قادة 32 دولة إلى قمة أنقرة، يدخل ترامب وهو يحمل رسالة واحدة: الوعود انتهت.. وحان وقت التنفيذ.
وتأتي القمة بعد عام من تعهد تاريخي برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035، لتتحول إلى قمة قياس الأداء لا قمة إطلاق الوعود.
هل استجاب الناتو لشروط ترامب منذ القمة الماضية؟
نعم.. إلى حد كبير، لكن الاستجابة كانت سياسية أكثر منها عملياتية.
في قمة لاهاي 2025، وافق الحلف على أكبر تحول في تاريخ الإنفاق الدفاعي، برفع الهدف من 2% إلى 5% من الناتج المحلي بحلول 2035، موزعة بين 3.5% للإنفاق الدفاعي المباشر و1.5% للبنية التحتية والمرونة والصناعة الدفاعية.
كما ارتفع الإنفاق الأوروبي والكندي بشكل ملحوظ خلال 2025، وبدأت بعض الدول بالفعل الاقتراب من الهدف الجديد قبل الموعد المحدد، لكن التنفيذ الفعلي لا يزال متفاوتًا بين الدول، وهو ما يجعل قمة أنقرة محطة لمحاسبة الحكومات أكثر من كونها مناسبة لإطلاق تعهدات جديدة.
ماذا يريد ترامب من القمة الحالية؟
يريد ترامب تثبيت معادلة جديدة داخل الناتو: من يدفع أكثر.. يشارك أكثر في القرار
ولهذا يركز على أربعة أهداف رئيسية:
تحويل تعهد الـ5% إلى خطط سنوية ملزمة.
نقل جزء أكبر من مسؤولية الدفاع عن أوروبا إلى الأوروبيين أنفسهم.
تسريع إنتاج الأسلحة والذخائر والصناعات الدفاعية.
إعادة تقييم الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا بما ينسجم مع حجم مساهمة الحلفاء.
وبعبارة أخرى، لم يعد هدف ترامب زيادة الإنفاق فقط، بل إعادة توزيع القيادة والأعباء داخل الحلف.
هل تستعد أوروبا لسيناريو تراجع الدور الأمريكي؟
نعم.. ولكن ليس لانسحاب كامل.
خلال العام الماضي وضعت عدة دول أوروبية خططًا لزيادة حضورها في مواقع القيادة والسيطرة داخل الناتو، وتوسيع الدفاع الجوي، وزيادة الإنتاج العسكري، وتعزيز القدرة على إدارة العمليات إذا خففت واشنطن وجودها العسكري.
لكن أوروبا لا تزال تعتمد بصورة كبيرة على الولايات المتحدة في خمسة مجالات حاسمة:
الاستخبارات والاستطلاع الفضائي.
النقل الجوي والبحري الاستراتيجي.
القيادة والسيطرة.
الدفاع الصاروخي بعيد المدى.
المظلة النووية الأمريكية.
ولهذا فإن أوروبا تبني “قدرة انتقالية” أكثر من بنائها بديلاً كاملاً للولايات المتحدة.
ماذا تريد الدول الكبرى؟
الولايات المتحدة: فرض تنفيذ تعهدات الإنفاق وتحويل أوروبا إلى شريك يتحمل جزءًا أكبر من التكلفة.
ألمانيا: تعزيز القيادة الأوروبية داخل الناتو مع الحفاظ على التحالف الأطلسي باعتباره الإطار الأمني الرئيسي.
فرنسا: استغلال اللحظة لدفع مشروع “الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية” مع تقليل الاعتماد على واشنطن.
بريطانيا: الحفاظ على دورها كحلقة الوصل العسكرية بين أوروبا والولايات المتحدة، مع محاولة إثبات استمرار التزامها الدفاعي رغم الضغوط المالية.
بولندا ودول البلطيق: تسريع التسلح وزيادة الوجود العسكري على الجبهة الشرقية باعتبار روسيا التهديد المباشر.
ماذا تريد تركيا من استضافة القمة؟
تسعى أنقرة إلى استثمار القمة في ثلاثة اتجاهات متوازية:
إبراز مكانتها كقوة محورية داخل الناتو.
الترويج لصناعاتها الدفاعية عبر منتدى الصناعات الدفاعية الذي يعقد على هامش القمة.
تحسين العلاقات مع واشنطن، بما في ذلك إعادة فتح ملف مقاتلات F-35 ورفع القيود المفروضة على التعاون الدفاعي.
لماذا أصبح بند الـ1.5% مهمًا؟
لأنه يغير مفهوم الإنفاق الدفاعي نفسه، فالأموال لن تذهب فقط إلى شراء الدبابات والطائرات، بل أيضًا إلى السكك الحديدية العسكرية، والموانئ، والطاقة، والأمن السيبراني، وسلاسل الإمداد، وهي عناصر تحدد قدرة الجيوش على القتال والاستمرار.
لكن هذا البند يواجه انتقادًا رئيسيًا، إذ يخشى بعض الخبراء أن يتحول إلى وسيلة لإعادة تصنيف إنفاق مدني قائم باعتباره إنفاقًا دفاعيًا، بدلاً من إضافة قدرات عسكرية حقيقية.
ماذا عن أوكرانيا؟
سيؤكد الحلف استمرار دعمه لكييف عبر مساعدات عسكرية وتدريب وتمويل كبير خلال 2026، مع بحث الحفاظ على مستويات الدعم في 2027، بينما يتوقع أن تتحمل الدول الأوروبية العبء الأكبر في التمويل، في ظل تراجع مساهمة واشنطن المباشرة.
كما سيجدد القادة موقفهم الرافض لامتلاك إيران سلاحًا نوويًا، ويناقشون أمن الملاحة في مضيق هرمز بعد التوترات الأخيرة.
هل تستطيع أوروبا أن تتحمل مسؤولية أمنها؟
استجاب الناتو لترامب بصورة لم يكن يتوقعها كثيرون قبل سنوات، لكن الحلف لم يتحول بعد إلى “ناتو بلا أمريكا”. فما تحقق حتى الآن هو زيادة في الأموال والخطط، بينما لا تزال القدرات الأمريكية تمثل العمود الفقري للقيادة والردع والاستخبارات.
ولهذا تبدو قمة أنقرة أقل اهتمامًا بإقرار أهداف جديدة، وأكثر تركيزًا على سؤال واحد: هل تستطيع أوروبا أن تتحمل مسؤولية أمنها إذا قررت واشنطن أن تدفع أقل.. وتشارك أقل؟
والإجابة حتى الآن هي: أوروبا تتحرك بسرعة أكبر من أي وقت مضى، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة الاستقلال العسكري الكامل.
عماد السيد
من شعار 2% إلى هدف 5%.. كيف غيّر ترامب فلسفة الإنفاق العسكري داخل الناتو؟
ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وبولندا.. كيف تختلف حسابات القوى الكبرى داخل الحلف؟
بند الـ1.5%.. هل يبني قوة عسكرية جديدة أم يمنح الحكومات مساحة للمناورة المحاسبية؟
لم تعد قمة حلف شمال الأطلسي مجرد اجتماع لمناقشة الأمن الأوروبي، بل أصبحت اختبارًا لمستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها.
فمنذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، انتقلت أجندة الناتو من سؤال “كيف نردع روسيا؟” إلى سؤال أكثر تعقيدًا: “من سيدفع تكلفة الردع؟”.
وبينما يدخل قادة 32 دولة إلى قمة أنقرة، يدخل ترامب وهو يحمل رسالة واحدة: الوعود انتهت.. وحان وقت التنفيذ.
وتأتي القمة بعد عام من تعهد تاريخي برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035، لتتحول إلى قمة قياس الأداء لا قمة إطلاق الوعود.
هل استجاب الناتو لشروط ترامب منذ القمة الماضية؟
نعم.. إلى حد كبير، لكن الاستجابة كانت سياسية أكثر منها عملياتية.
في قمة لاهاي 2025، وافق الحلف على أكبر تحول في تاريخ الإنفاق الدفاعي، برفع الهدف من 2% إلى 5% من الناتج المحلي بحلول 2035، موزعة بين 3.5% للإنفاق الدفاعي المباشر و1.5% للبنية التحتية والمرونة والصناعة الدفاعية.
كما ارتفع الإنفاق الأوروبي والكندي بشكل ملحوظ خلال 2025، وبدأت بعض الدول بالفعل الاقتراب من الهدف الجديد قبل الموعد المحدد، لكن التنفيذ الفعلي لا يزال متفاوتًا بين الدول، وهو ما يجعل قمة أنقرة محطة لمحاسبة الحكومات أكثر من كونها مناسبة لإطلاق تعهدات جديدة.
ماذا يريد ترامب من القمة الحالية؟
يريد ترامب تثبيت معادلة جديدة داخل الناتو: من يدفع أكثر.. يشارك أكثر في القرار
ولهذا يركز على أربعة أهداف رئيسية:
تحويل تعهد الـ5% إلى خطط سنوية ملزمة.
نقل جزء أكبر من مسؤولية الدفاع عن أوروبا إلى الأوروبيين أنفسهم.
تسريع إنتاج الأسلحة والذخائر والصناعات الدفاعية.
إعادة تقييم الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا بما ينسجم مع حجم مساهمة الحلفاء.
وبعبارة أخرى، لم يعد هدف ترامب زيادة الإنفاق فقط، بل إعادة توزيع القيادة والأعباء داخل الحلف.
هل تستعد أوروبا لسيناريو تراجع الدور الأمريكي؟
نعم.. ولكن ليس لانسحاب كامل.
خلال العام الماضي وضعت عدة دول أوروبية خططًا لزيادة حضورها في مواقع القيادة والسيطرة داخل الناتو، وتوسيع الدفاع الجوي، وزيادة الإنتاج العسكري، وتعزيز القدرة على إدارة العمليات إذا خففت واشنطن وجودها العسكري.
لكن أوروبا لا تزال تعتمد بصورة كبيرة على الولايات المتحدة في خمسة مجالات حاسمة:
الاستخبارات والاستطلاع الفضائي.
النقل الجوي والبحري الاستراتيجي.
القيادة والسيطرة.
الدفاع الصاروخي بعيد المدى.
المظلة النووية الأمريكية.
ولهذا فإن أوروبا تبني “قدرة انتقالية” أكثر من بنائها بديلاً كاملاً للولايات المتحدة.
ماذا تريد الدول الكبرى؟
الولايات المتحدة: فرض تنفيذ تعهدات الإنفاق وتحويل أوروبا إلى شريك يتحمل جزءًا أكبر من التكلفة.
ألمانيا: تعزيز القيادة الأوروبية داخل الناتو مع الحفاظ على التحالف الأطلسي باعتباره الإطار الأمني الرئيسي.
فرنسا: استغلال اللحظة لدفع مشروع “الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية” مع تقليل الاعتماد على واشنطن.
بريطانيا: الحفاظ على دورها كحلقة الوصل العسكرية بين أوروبا والولايات المتحدة، مع محاولة إثبات استمرار التزامها الدفاعي رغم الضغوط المالية.
بولندا ودول البلطيق: تسريع التسلح وزيادة الوجود العسكري على الجبهة الشرقية باعتبار روسيا التهديد المباشر.
ماذا تريد تركيا من استضافة القمة؟
تسعى أنقرة إلى استثمار القمة في ثلاثة اتجاهات متوازية:
إبراز مكانتها كقوة محورية داخل الناتو.
الترويج لصناعاتها الدفاعية عبر منتدى الصناعات الدفاعية الذي يعقد على هامش القمة.
تحسين العلاقات مع واشنطن، بما في ذلك إعادة فتح ملف مقاتلات F-35 ورفع القيود المفروضة على التعاون الدفاعي.
لماذا أصبح بند الـ1.5% مهمًا؟
لأنه يغير مفهوم الإنفاق الدفاعي نفسه، فالأموال لن تذهب فقط إلى شراء الدبابات والطائرات، بل أيضًا إلى السكك الحديدية العسكرية، والموانئ، والطاقة، والأمن السيبراني، وسلاسل الإمداد، وهي عناصر تحدد قدرة الجيوش على القتال والاستمرار.
لكن هذا البند يواجه انتقادًا رئيسيًا، إذ يخشى بعض الخبراء أن يتحول إلى وسيلة لإعادة تصنيف إنفاق مدني قائم باعتباره إنفاقًا دفاعيًا، بدلاً من إضافة قدرات عسكرية حقيقية.
ماذا عن أوكرانيا؟
سيؤكد الحلف استمرار دعمه لكييف عبر مساعدات عسكرية وتدريب وتمويل كبير خلال 2026، مع بحث الحفاظ على مستويات الدعم في 2027، بينما يتوقع أن تتحمل الدول الأوروبية العبء الأكبر في التمويل، في ظل تراجع مساهمة واشنطن المباشرة.
كما سيجدد القادة موقفهم الرافض لامتلاك إيران سلاحًا نوويًا، ويناقشون أمن الملاحة في مضيق هرمز بعد التوترات الأخيرة.
هل تستطيع أوروبا أن تتحمل مسؤولية أمنها؟
استجاب الناتو لترامب بصورة لم يكن يتوقعها كثيرون قبل سنوات، لكن الحلف لم يتحول بعد إلى “ناتو بلا أمريكا”. فما تحقق حتى الآن هو زيادة في الأموال والخطط، بينما لا تزال القدرات الأمريكية تمثل العمود الفقري للقيادة والردع والاستخبارات.
ولهذا تبدو قمة أنقرة أقل اهتمامًا بإقرار أهداف جديدة، وأكثر تركيزًا على سؤال واحد: هل تستطيع أوروبا أن تتحمل مسؤولية أمنها إذا قررت واشنطن أن تدفع أقل.. وتشارك أقل؟
والإجابة حتى الآن هي: أوروبا تتحرك بسرعة أكبر من أي وقت مضى، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة الاستقلال العسكري الكامل.


