راديو أوريان

أثار صدور أحكام قضائية في المغرب تقضي، إلى جانب العقوبات الحبسية والغرامات، بمنع عدد من صناع محتوى سوشيال ميديا و«المؤثرين» من استخدام أو النشر على مواقع التواصل الاجتماعي لسنوات، نقاشاً قانونياً وحقوقياً حول الأساس القانوني لهذه العقوبة، ومدى تناسبها مع الأفعال المرتكبة، وحدود تأثيرها على حرية التعبير والنشاط المهني في الفضاء الرقمي.

سكينة غلامور

سكينة غلامور صانعة محتوى سوشيال ميديا

وعاد الجدل بقوة إلى الواجهة بعد أن قضت المحكمة الابتدائية في مراكش، في أغسطس/آب 2026، بمنع إحدى المؤثرات المعروفة باسم «غلامور» من استعمال مواقع التواصل الاجتماعي لمدة ثلاث سنوات، ضمن حكم شمل عقوبات أخرى، على خلفية الاشتباه في إعداد ونشر محتويات رقمية مخلة بالحياء العام.

لكن القضية ليست معزولة؛ فقد ظهرت خلال الأشهر الماضية أحكام مماثلة وبمدد أطول.

ففي طنجة، صدرت ثلاثة أحكام مرتبطة بقضايا صانع المحتوى آدم بنشقرون وآخرين، تضمنت المنع من استخدام وسائل سوشيال ميديا لمدة عشر سنوات.

آدم بنشقرون

آدم بنشقرون صانع محتوى سوشيال ميديا

وأشارت «ميديا24» إلى أن أحد هذه الأحكام ظل قائماً في شقه المتعلق بالمنع الرقمي حتى بعد تخفيض العقوبة السجنية في مرحلة الاستئناف.

وفي مراكش أيضاً، قضت المحكمة في أبريل/نيسان 2026 بحق صانع المحتوى عبد الإله المعروف بـ«مول الحوت» بخمسة أشهر حبسا موقوف التنفيذ، وغرامة مالية وتعويضات مدنية، مع منعه من النشر على سوشيال ميديا لمدة خمس سنوات.

وشملت المتابعات، بحسب المصادر المنشورة، اتهامات بالتحريض على الكراهية والتشهير ونشر ادعاءات كاذبة والمساس بالحياة الخاصة ونشر صور دون موافقة أصحابها.

مول الحوت

مول الحوت صانع محتوى سوشيال ميديا

ما المبرر القانوني؟

القراءة المؤيدة لهذه الأحكام تنطلق من أن المنصات الرقمية لم تكن مجرد فضاء محايد في عدد من القضايا، وإنما اعتُبرت الوسيلة التي ارتُكبت بواسطتها الأفعال محل المتابعة.

ومن ثم يرى بعض القانونيين أن منطق العقوبة يقوم على منع المحكوم عليه مؤقتاً من إعادة استخدام الأداة نفسها لارتكاب مخالفات مماثلة.

وتشير تحليلات قانونية إلى الاستناد إلى مقتضيات في القانون الجنائي المغربي تتيح للقاضي، في ظروف معينة، الحكم بعقوبات إضافية مرتبطة بحرمان المحكوم عليه من بعض الحقوق أو الأنشطة عندما تكون لها صلة بالفعل الجرمي.

وبهذا المنطق، يمكن للمحكمة اعتبار النشاط على شبكات التواصل مرتبطاً مباشرة بجرائم مثل التشهير أو انتهاك الحياة الخاصة أو نشر المحتويات غير المشروعة.

كما يرى المدافعون عن تشديد التعامل القضائي مع بعض المحتويات أن انتشار منصات «تيك توك» و«إنستغرام» وغيرها أوجد قدرة غير مسبوقة على الوصول إلى جمهور واسع، ما يجعل أضرار التشهير أو التحريض أو انتهاك الخصوصية أكثر اتساعاً وأسرع انتشاراً من الوسائل التقليدية.

حظر منصات التواصل على الأطفال

أين يبدأ الاعتراض؟

في المقابل، يتركز الجدل القانوني أساساً حول مدى مشروعية الحظر الشامل والتناسب بين المخالفة والعقوبة.

فالأمر لا يتعلق، في بعض الأحكام، بمنع نشر نوع محدد من المحتوى، وإنما قد يصل إلى منع الشخص من استخدام شبكات التواصل برمتها لخمسة أو عشرة أعوام.

وتطرح الأحكام أسئلة جديدة في الاجتهاد القضائي المغربي، خصوصاً في ظل عدم وجود سوابق راسخة كانت تقر حظراً عاماً وطويل المدى لاستخدام جميع المنصات الرقمية، وهو ما يفتح النقاش حول مدى دقة الأساس القانوني وآليات تطبيق القرار عملياً.

ويكتسب النقاش بعداً حقوقياً كذلك، لأن شبكات التواصل لم تعد مجرد وسيلة للترفيه؛ بل أصبحت بالنسبة إلى شريحة واسعة أداة للعمل والتواصل والتسويق والتعبير والحصول على المعلومات.

لذلك يرى منتقدو العقوبة أن حظر شخص منها لسنوات قد تكون له آثار مهنية واجتماعية أوسع من العقوبة الأصلية نفسها.

وسبق للمجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب أن أكد أهمية الفضاء الرقمي في ممارسة حرية الرأي والتعبير والوصول إلى المعلومات والمشاركة في الحياة العامة، مع تنبيهه في الوقت نفسه إلى المخاطر المرتبطة بالأخبار الزائفة وانتهاك الخصوصية وخطابات الكراهية في البيئة الرقمية.

سوشيال ميديا

منصات سوشيال ميديا

بين الردع وحماية الحرية

ويبدو أن جوهر النقاش في المغرب لا يدور حول مبدأ مساءلة المؤثرين قانونياً من عدمه؛ إذ إن جرائم التشهير والاحتيال وانتهاك الخصوصية والتحريض تخضع بالفعل للمساءلة، وقد شهدت المحاكم المغربية خلال الأعوام الماضية عدة قضايا مرتبطة بتجاوزات ارتكبت عبر منصات التواصل.

المعضلة الأساسية أصبحت في شكل العقوبة وحدودها: هل يكفي حذف المحتوى المخالف ومعاقبة مرتكبه وفق الجريمة الأصلية؟ أم أن تكرار التجاوزات وطبيعة تأثير بعض الحسابات تبرران حرمان أصحابها من النشاط الرقمي لفترات طويلة؟

ومع توالي الأحكام، تبدو المحاكم المغربية أمام مسار قضائي جديد لم تتبلور حدوده النهائية بعد.

وقد يكون حسم الجدل مستقبلاً مرتبطاً بتراكم قرارات محاكم الاستئناف والنقض، بما يوضح بصورة أدق شروط اللجوء إلى المنع الرقمي ومدته ونطاقه، ويحقق التوازن بين حماية الأفراد والمجتمع من الانتهاكات الرقمية وبين ضمان حرية التعبير على سوشيال ميديا وعدم فرض قيود تتجاوز مبدأ التناسب.

 

راديو أوريان

أثار صدور أحكام قضائية في المغرب تقضي، إلى جانب العقوبات الحبسية والغرامات، بمنع عدد من صناع محتوى سوشيال ميديا و«المؤثرين» من استخدام أو النشر على مواقع التواصل الاجتماعي لسنوات، نقاشاً قانونياً وحقوقياً حول الأساس القانوني لهذه العقوبة، ومدى تناسبها مع الأفعال المرتكبة، وحدود تأثيرها على حرية التعبير والنشاط المهني في الفضاء الرقمي.

سكينة غلامور

سكينة غلامور صانعة محتوى سوشيال ميديا

وعاد الجدل بقوة إلى الواجهة بعد أن قضت المحكمة الابتدائية في مراكش، في أغسطس/آب 2026، بمنع إحدى المؤثرات المعروفة باسم «غلامور» من استعمال مواقع التواصل الاجتماعي لمدة ثلاث سنوات، ضمن حكم شمل عقوبات أخرى، على خلفية الاشتباه في إعداد ونشر محتويات رقمية مخلة بالحياء العام.

لكن القضية ليست معزولة؛ فقد ظهرت خلال الأشهر الماضية أحكام مماثلة وبمدد أطول.

ففي طنجة، صدرت ثلاثة أحكام مرتبطة بقضايا صانع المحتوى آدم بنشقرون وآخرين، تضمنت المنع من استخدام وسائل سوشيال ميديا لمدة عشر سنوات.

آدم بنشقرون

آدم بنشقرون صانع محتوى سوشيال ميديا

وأشارت «ميديا24» إلى أن أحد هذه الأحكام ظل قائماً في شقه المتعلق بالمنع الرقمي حتى بعد تخفيض العقوبة السجنية في مرحلة الاستئناف.

وفي مراكش أيضاً، قضت المحكمة في أبريل/نيسان 2026 بحق صانع المحتوى عبد الإله المعروف بـ«مول الحوت» بخمسة أشهر حبسا موقوف التنفيذ، وغرامة مالية وتعويضات مدنية، مع منعه من النشر على سوشيال ميديا لمدة خمس سنوات.

وشملت المتابعات، بحسب المصادر المنشورة، اتهامات بالتحريض على الكراهية والتشهير ونشر ادعاءات كاذبة والمساس بالحياة الخاصة ونشر صور دون موافقة أصحابها.

مول الحوت

مول الحوت صانع محتوى سوشيال ميديا

ما المبرر القانوني؟

القراءة المؤيدة لهذه الأحكام تنطلق من أن المنصات الرقمية لم تكن مجرد فضاء محايد في عدد من القضايا، وإنما اعتُبرت الوسيلة التي ارتُكبت بواسطتها الأفعال محل المتابعة.

ومن ثم يرى بعض القانونيين أن منطق العقوبة يقوم على منع المحكوم عليه مؤقتاً من إعادة استخدام الأداة نفسها لارتكاب مخالفات مماثلة.

وتشير تحليلات قانونية إلى الاستناد إلى مقتضيات في القانون الجنائي المغربي تتيح للقاضي، في ظروف معينة، الحكم بعقوبات إضافية مرتبطة بحرمان المحكوم عليه من بعض الحقوق أو الأنشطة عندما تكون لها صلة بالفعل الجرمي.

وبهذا المنطق، يمكن للمحكمة اعتبار النشاط على شبكات التواصل مرتبطاً مباشرة بجرائم مثل التشهير أو انتهاك الحياة الخاصة أو نشر المحتويات غير المشروعة.

كما يرى المدافعون عن تشديد التعامل القضائي مع بعض المحتويات أن انتشار منصات «تيك توك» و«إنستغرام» وغيرها أوجد قدرة غير مسبوقة على الوصول إلى جمهور واسع، ما يجعل أضرار التشهير أو التحريض أو انتهاك الخصوصية أكثر اتساعاً وأسرع انتشاراً من الوسائل التقليدية.

حظر منصات التواصل على الأطفال

أين يبدأ الاعتراض؟

في المقابل، يتركز الجدل القانوني أساساً حول مدى مشروعية الحظر الشامل والتناسب بين المخالفة والعقوبة.

فالأمر لا يتعلق، في بعض الأحكام، بمنع نشر نوع محدد من المحتوى، وإنما قد يصل إلى منع الشخص من استخدام شبكات التواصل برمتها لخمسة أو عشرة أعوام.

وتطرح الأحكام أسئلة جديدة في الاجتهاد القضائي المغربي، خصوصاً في ظل عدم وجود سوابق راسخة كانت تقر حظراً عاماً وطويل المدى لاستخدام جميع المنصات الرقمية، وهو ما يفتح النقاش حول مدى دقة الأساس القانوني وآليات تطبيق القرار عملياً.

ويكتسب النقاش بعداً حقوقياً كذلك، لأن شبكات التواصل لم تعد مجرد وسيلة للترفيه؛ بل أصبحت بالنسبة إلى شريحة واسعة أداة للعمل والتواصل والتسويق والتعبير والحصول على المعلومات.

لذلك يرى منتقدو العقوبة أن حظر شخص منها لسنوات قد تكون له آثار مهنية واجتماعية أوسع من العقوبة الأصلية نفسها.

وسبق للمجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب أن أكد أهمية الفضاء الرقمي في ممارسة حرية الرأي والتعبير والوصول إلى المعلومات والمشاركة في الحياة العامة، مع تنبيهه في الوقت نفسه إلى المخاطر المرتبطة بالأخبار الزائفة وانتهاك الخصوصية وخطابات الكراهية في البيئة الرقمية.

سوشيال ميديا

منصات سوشيال ميديا

بين الردع وحماية الحرية

ويبدو أن جوهر النقاش في المغرب لا يدور حول مبدأ مساءلة المؤثرين قانونياً من عدمه؛ إذ إن جرائم التشهير والاحتيال وانتهاك الخصوصية والتحريض تخضع بالفعل للمساءلة، وقد شهدت المحاكم المغربية خلال الأعوام الماضية عدة قضايا مرتبطة بتجاوزات ارتكبت عبر منصات التواصل.

المعضلة الأساسية أصبحت في شكل العقوبة وحدودها: هل يكفي حذف المحتوى المخالف ومعاقبة مرتكبه وفق الجريمة الأصلية؟ أم أن تكرار التجاوزات وطبيعة تأثير بعض الحسابات تبرران حرمان أصحابها من النشاط الرقمي لفترات طويلة؟

ومع توالي الأحكام، تبدو المحاكم المغربية أمام مسار قضائي جديد لم تتبلور حدوده النهائية بعد.

وقد يكون حسم الجدل مستقبلاً مرتبطاً بتراكم قرارات محاكم الاستئناف والنقض، بما يوضح بصورة أدق شروط اللجوء إلى المنع الرقمي ومدته ونطاقه، ويحقق التوازن بين حماية الأفراد والمجتمع من الانتهاكات الرقمية وبين ضمان حرية التعبير على سوشيال ميديا وعدم فرض قيود تتجاوز مبدأ التناسب.

 

“خمس وعشر سنوات بلا سوشيال ميديا”.. أحكام تفجر الجدل بالمغرب