عماد السيد
لم يعد ارتفاع سعر الوقود مجرد رقم على شاشة محطة البنزين، فمن سوريا إلى فرنسا، ومن غواتيمالا إلى الفلبين والبرتغال، تتحول فاتورة الوقود إلى احتجاجات، وقطع طرق، وإضرابات، وإغلاق موانئ ومستودعات.
القصة واحدة تقريباً:
يرتفع سعر الوقود.. ترتفع كلفة النقل.. ثم يلحق به الغذاء والعمل والمعيشة.
لكن اللافت أن كل دولة تبحث عن حل مختلف.
فمن يطالب بخفض السعر؟
ومن يريد إلغاء الضرائب؟
ومن يطالب بدعم مباشر؟
ومن يريد تغيير قواعد سوق النفط نفسها؟
والأهم: لماذا أصبحت أسعار الوقود بهذه السرعة قضية سياسية واجتماعية؟

سوريا.. 40% تفتح جبهة الاحتجاج
في سوريا، كانت الصدمة الأكثر مباشرة.. ارتفع سعر المازوت من 125 إلى 175 ليرة للتر، أي بنحو 40%، بينما ارتفع بنزين أوكتان 90 بنحو 26%، وأوكتان 95 بنحو 28%.
لكن الرقم الأهم ليس الزيادة نفسها.
إنه ما يفعله الديزل بعد الزيادة.
فالمازوت يدخل في النقل والزراعة والتدفئة والإنتاج، وبالتالي فإن ارتفاعه لا يتوقف عند محطة الوقود، بل ينتقل إلى أجرة السيارة، ونقل المحاصيل، وأسعار السلع والخدمات.
وهنا خرج الغضب من الحسكة ودير الزور والرقة وحلب وإدلب ودرعا ومناطق أخرى.
قطع طرق.
إشعال إطارات.
تعطيل حركة صهاريج النفط.
وتوقف بعض أعمال النقل.
ثم ارتفع سقف المطالب من التراجع عن زيادة الأسعار إلى رفع الأجور ومحاسبة المسؤولين.
الحكومة تحركت لاحقاً بسعر مدعوم للديزل عند 115 ليرة للتر للتدفئة والزراعة والصناعة وبعض الفئات المؤهلة.
لكن هذا ليس إلغاءً للزيادة.
إنه فصل بين سعر تجاري مرتفع وسعر مدعوم لفئات محددة.
وهنا تكمن المفارقة: الدولة خففت الصدمة، لكنها لم تعد بالكامل إلى السعر السابق.

محطة وقود في فرنسا
فرنسا.. الوقود يضرب القطاعات التي تنتج
في فرنسا، المشهد مختلف، ليست القضية احتجاجاً شعبياً موحداً بحجم موجات «السترات الصفراء»، بل ضغطاً من قطاعات تعتمد على الوقود بصورة مباشرة، خصوصاً الصيد والزراعة والبناء والنقل.
الصياد الذي يدفع أكثر مقابل الديزل لا يواجه مجرد فاتورة أعلى. إنه يواجه سؤالاً اقتصادياً بسيطاً:
هل ما سيصطاده سيغطي تكلفة الوصول إليه؟
لذلك شهدت موانئ ومستودعات وقود في الجنوب تحركات واحتجاجات، فيما طالبت قطاعات إنتاجية بتعويضات ودعم للديزل وحماية للدخل.
واختارت الحكومة الفرنسية مساراً مختلفاً عن خفض الضرائب على الجميع.. الدعم الموجه.
فقد رفعت مساعدات الصيادين، ومددت برامج دعم للزراعة والبناء، ووسعت المساعدة الموجهة إلى ذوي الدخل المنخفض وكثيفي استخدام السيارات.
الفكرة هنا واضحة:
بدلاً من خفض السعر للجميع، تدفع الدولة جزءاً من الفاتورة لمن ترى أنهم الأكثر تعرضاً للصدمة.
لكن السؤال يبقى:
ماذا يحدث إذا استمر ارتفاع سعر الوقود؟
هل يستمر الدعم إلى ما لا نهاية؟
أم تتحول أزمة مؤقتة إلى بند دائم في الموازنة؟

احتجاجات في جواتيمالا
غواتيمالا.. الخلاف ليس على السعر فقط
في غواتيمالا، تحولت أزمة الوقود إلى معركة حول من يتحمل تكلفة الحل.
احتجاجات وإغلاقات طرق شارك فيها سائقو شاحنات ووسائل نقل وجماعات من السكان الأصليين.
البعض طالب بخفض الضرائب ودعم قطاع النقل.
والبعض الآخر طالب بضبط المضاربة والاحتكار وسلاسل التوزيع، محذراً من أن الدعم المباشر قد لا يصل إلى المستهلك النهائي.
وهنا ظهر خلاف تشريعي بين سقف سعري مباشر وتعليق الضرائب.
الفرق جوهري.
السقف السعري يعني أن الدولة تحاول فرض سعر محدد.
أما خفض الضرائب فيترك السعر يتحرك، لكنه يقلل الجزء الذي تحصل عليه الدولة من كل لتر.
أي أن السؤال لم يعد:
كم سعر الوقود؟
بل:
من سيدفع الفرق؟
المستهلك؟
الشركات؟
أم الموازنة العامة؟

حافلة في الفلبين
الفلبين.. السائق يريد خفض التكلفة لا رفع الأجرة
في الفلبين، وصل الصراع إلى إضرابات منظمة لعمال النقل.
سائقو الجيبني والحافلات يقولون إن ارتفاع الوقود يلتهم دخلهم اليومي، وإن رفع أجرة الركوب لا يحل المشكلة بالكامل؛ لأنه ينقل التكلفة مباشرة إلى الركاب.
لذلك تشمل المطالب خفض سعر الديزل إلى 55 بيزو للتر، وإلغاء بعض ضرائب الوقود، ورفع أجور العمال، وإعادة النظر في تحرير سوق النفط، ومنح الدولة دوراً أكبر في تنظيم القطاع.
وهنا تظهر الحلقة الأخطر:
وقود أغلى – نقل أغلى – ركاب يدفعون أكثر – قدرة شرائية أقل – طلب أضعف.
أي أن أزمة الوقود يمكن أن تتحول إلى أزمة نشاط اقتصادي.

نفط
القصة الأكبر: أربع دول.. ومشكلة واحدة
سوريا تختبر حدود قدرة الأسر على تحمل الصدمة.
فرنسا تختبر قدرة القطاعات الإنتاجية على الاستمرار.
غواتيمالا تختبر من يتحمل تكلفة الدعم والضرائب.
والفلبين تختبر حدود نقل التكلفة من السائق إلى الراكب.
لكن الخيط الذي يجمعها واحد:
الوقود لا يبقى وقوداً.
إنه يدخل في تكلفة كل شيء تقريباً.
الشاحنة تحتاج ديزلاً.
المزرعة تحتاج ديزلاً.
المصنع يحتاج طاقة.
والغذاء يحتاج شاحنة تنقله.
لذلك عندما يرتفع سعر الوقود، لا يرتفع سعر اللتر فقط.
يرتفع سعر الاقتصاد من حوله.
وهنا تكمن الرسالة الأكبر لهذه الموجة:
أزمة الوقود تبدأ عند المضخة… لكنها قد تنتهي في الشارع، وفي الموازنة، وفي أسعار الغذاء، وفي السياسة نفسها.
عماد السيد
لم يعد ارتفاع سعر الوقود مجرد رقم على شاشة محطة البنزين، فمن سوريا إلى فرنسا، ومن غواتيمالا إلى الفلبين والبرتغال، تتحول فاتورة الوقود إلى احتجاجات، وقطع طرق، وإضرابات، وإغلاق موانئ ومستودعات.
القصة واحدة تقريباً:
يرتفع سعر الوقود.. ترتفع كلفة النقل.. ثم يلحق به الغذاء والعمل والمعيشة.
لكن اللافت أن كل دولة تبحث عن حل مختلف.
فمن يطالب بخفض السعر؟
ومن يريد إلغاء الضرائب؟
ومن يطالب بدعم مباشر؟
ومن يريد تغيير قواعد سوق النفط نفسها؟
والأهم: لماذا أصبحت أسعار الوقود بهذه السرعة قضية سياسية واجتماعية؟

سوريا.. 40% تفتح جبهة الاحتجاج
في سوريا، كانت الصدمة الأكثر مباشرة.. ارتفع سعر المازوت من 125 إلى 175 ليرة للتر، أي بنحو 40%، بينما ارتفع بنزين أوكتان 90 بنحو 26%، وأوكتان 95 بنحو 28%.
لكن الرقم الأهم ليس الزيادة نفسها.
إنه ما يفعله الديزل بعد الزيادة.
فالمازوت يدخل في النقل والزراعة والتدفئة والإنتاج، وبالتالي فإن ارتفاعه لا يتوقف عند محطة الوقود، بل ينتقل إلى أجرة السيارة، ونقل المحاصيل، وأسعار السلع والخدمات.
وهنا خرج الغضب من الحسكة ودير الزور والرقة وحلب وإدلب ودرعا ومناطق أخرى.
قطع طرق.
إشعال إطارات.
تعطيل حركة صهاريج النفط.
وتوقف بعض أعمال النقل.
ثم ارتفع سقف المطالب من التراجع عن زيادة الأسعار إلى رفع الأجور ومحاسبة المسؤولين.
الحكومة تحركت لاحقاً بسعر مدعوم للديزل عند 115 ليرة للتر للتدفئة والزراعة والصناعة وبعض الفئات المؤهلة.
لكن هذا ليس إلغاءً للزيادة.
إنه فصل بين سعر تجاري مرتفع وسعر مدعوم لفئات محددة.
وهنا تكمن المفارقة: الدولة خففت الصدمة، لكنها لم تعد بالكامل إلى السعر السابق.

محطة وقود في فرنسا
فرنسا.. الوقود يضرب القطاعات التي تنتج
في فرنسا، المشهد مختلف، ليست القضية احتجاجاً شعبياً موحداً بحجم موجات «السترات الصفراء»، بل ضغطاً من قطاعات تعتمد على الوقود بصورة مباشرة، خصوصاً الصيد والزراعة والبناء والنقل.
الصياد الذي يدفع أكثر مقابل الديزل لا يواجه مجرد فاتورة أعلى. إنه يواجه سؤالاً اقتصادياً بسيطاً:
هل ما سيصطاده سيغطي تكلفة الوصول إليه؟
لذلك شهدت موانئ ومستودعات وقود في الجنوب تحركات واحتجاجات، فيما طالبت قطاعات إنتاجية بتعويضات ودعم للديزل وحماية للدخل.
واختارت الحكومة الفرنسية مساراً مختلفاً عن خفض الضرائب على الجميع.. الدعم الموجه.
فقد رفعت مساعدات الصيادين، ومددت برامج دعم للزراعة والبناء، ووسعت المساعدة الموجهة إلى ذوي الدخل المنخفض وكثيفي استخدام السيارات.
الفكرة هنا واضحة:
بدلاً من خفض السعر للجميع، تدفع الدولة جزءاً من الفاتورة لمن ترى أنهم الأكثر تعرضاً للصدمة.
لكن السؤال يبقى:
ماذا يحدث إذا استمر ارتفاع سعر الوقود؟
هل يستمر الدعم إلى ما لا نهاية؟
أم تتحول أزمة مؤقتة إلى بند دائم في الموازنة؟

احتجاجات في جواتيمالا
غواتيمالا.. الخلاف ليس على السعر فقط
في غواتيمالا، تحولت أزمة الوقود إلى معركة حول من يتحمل تكلفة الحل.
احتجاجات وإغلاقات طرق شارك فيها سائقو شاحنات ووسائل نقل وجماعات من السكان الأصليين.
البعض طالب بخفض الضرائب ودعم قطاع النقل.
والبعض الآخر طالب بضبط المضاربة والاحتكار وسلاسل التوزيع، محذراً من أن الدعم المباشر قد لا يصل إلى المستهلك النهائي.
وهنا ظهر خلاف تشريعي بين سقف سعري مباشر وتعليق الضرائب.
الفرق جوهري.
السقف السعري يعني أن الدولة تحاول فرض سعر محدد.
أما خفض الضرائب فيترك السعر يتحرك، لكنه يقلل الجزء الذي تحصل عليه الدولة من كل لتر.
أي أن السؤال لم يعد:
كم سعر الوقود؟
بل:
من سيدفع الفرق؟
المستهلك؟
الشركات؟
أم الموازنة العامة؟

حافلة في الفلبين
الفلبين.. السائق يريد خفض التكلفة لا رفع الأجرة
في الفلبين، وصل الصراع إلى إضرابات منظمة لعمال النقل.
سائقو الجيبني والحافلات يقولون إن ارتفاع الوقود يلتهم دخلهم اليومي، وإن رفع أجرة الركوب لا يحل المشكلة بالكامل؛ لأنه ينقل التكلفة مباشرة إلى الركاب.
لذلك تشمل المطالب خفض سعر الديزل إلى 55 بيزو للتر، وإلغاء بعض ضرائب الوقود، ورفع أجور العمال، وإعادة النظر في تحرير سوق النفط، ومنح الدولة دوراً أكبر في تنظيم القطاع.
وهنا تظهر الحلقة الأخطر:
وقود أغلى – نقل أغلى – ركاب يدفعون أكثر – قدرة شرائية أقل – طلب أضعف.
أي أن أزمة الوقود يمكن أن تتحول إلى أزمة نشاط اقتصادي.

نفط
القصة الأكبر: أربع دول.. ومشكلة واحدة
سوريا تختبر حدود قدرة الأسر على تحمل الصدمة.
فرنسا تختبر قدرة القطاعات الإنتاجية على الاستمرار.
غواتيمالا تختبر من يتحمل تكلفة الدعم والضرائب.
والفلبين تختبر حدود نقل التكلفة من السائق إلى الراكب.
لكن الخيط الذي يجمعها واحد:
الوقود لا يبقى وقوداً.
إنه يدخل في تكلفة كل شيء تقريباً.
الشاحنة تحتاج ديزلاً.
المزرعة تحتاج ديزلاً.
المصنع يحتاج طاقة.
والغذاء يحتاج شاحنة تنقله.
لذلك عندما يرتفع سعر الوقود، لا يرتفع سعر اللتر فقط.
يرتفع سعر الاقتصاد من حوله.
وهنا تكمن الرسالة الأكبر لهذه الموجة:
أزمة الوقود تبدأ عند المضخة… لكنها قد تنتهي في الشارع، وفي الموازنة، وفي أسعار الغذاء، وفي السياسة نفسها.





