• أكتوبر 8, 2026
  • أكتوبر 8, 2026

عماد السيد

في نابولي، لم يرفع المتظاهرون لافتات فقط.. بل دفعوا عربات تسوق شبه فارغة.. الرسالة السياسية كانت مباشرة: الأسرة في إيطاليا تدفع أكثر.. لكنها تشتري أقل.

في الأسبوع الأول من أكتوبر الجاري، خرج مئات المتظاهرين في نابولي احتجاجًا على الوقود وغلاء المعيشة، وأحرق بعضهم فواتير الكهرباء والغاز.

وقال منظمو التحرك إن نحو 40% من سكان المدينة يعيشون بالإيجار، وإن الغذاء وفواتير المنزل تستهلك أكثر من 60% من متوسط دخل الأسرة. وهذه الأرقام تخص تقديرات منظمي الاحتجاج، وليست إحصاءً رسميًا.

لكن الصورة الأكبر أخطر.

التضخم في إيطاليا قفز إلى 4.2% في سبتمبر، مقابل 3.3% في أغسطس.

والأسوأ أن الطاقة هي المحرك الرئيسي: أسعار الطاقة ارتفعت بنحو 22.3%، والطاقة المنظمة وحدها قفزت 25.9%.

وهنا تتحول أزمة نابولي من احتجاج محلي إلى اختبار اقتصادي وسياسي للحكومة في روما.

احتجاجات غلاء المعيشة في إيطاليا

احتجاجات غلاء المعيشة في إيطاليا

 الوقود لم يعد مجرد فاتورة.. بل أصبح محركًا للتضخم

المشكلة تبدأ من محطة الوقود، لكنها لا تنتهي عندها.

ارتفاع تكلفة الديزل يعني نقلًا أغلى.

ونقل أغلى يعني غذاءً أغلى.

وطاقة أغلى تعني فواتير أعلى وتكلفة إنتاج أكبر.

والبيانات الإيطالية تؤكد انتقال الصدمة إلى الغذاء؛ أسعار الأغذية غير المصنعة ارتفعت 5.5% في سبتمبر. كما ارتفعت أسعار الخدمات المرتبطة بالنقل بوتيرة أسرع.

أي أن عربة التسوق الفارغة ليست مجرد صورة احتجاجية؛ إنها تلخص آلية الأزمة نفسها.

والضغط لا يقع على الأسر فقط.

الشركات في إيطاليا تواجه تكلفة طاقة ونقل أعلى، وهو ما قد يضغط على هوامش الأرباح أو يدفعها إلى رفع الأسعار مجددًا.

المفارقة الأخطر: دخل الأسرة يرتفع وقدرتها الشرائية تنخفض

هذه هي النقطة التي تكشف عمق الأزمة.

في الربع الثاني من 2026، ارتفع الدخل المتاح للأسر في إيطاليا اسميًا 0.4% فقط، بينما زاد الإنفاق الاستهلاكي 1.7%.

وبعد احتساب التضخم، انخفض الدخل الحقيقي المتاح للأسر 0.9%. كما هبط معدل الادخار إلى 6.7%.

بمعنى أبسط:

الإيطالي لا يواجه فقط أسعارًا أعلى.. بل يستهلك من مدخراته للحفاظ على مستوى معيشته.

الجنوب يدفع الفاتورة الأكبر

نابولي ليست مجرد موقع للاحتجاج.

إنها جزء من جنوب إيطاليا، حيث الفجوة في الدخل وفرص العمل تجعل صدمة الأسعار أكثر قسوة.

ولهذا فإن ارتفاع السعر نفسه لا ينتج الأثر نفسه في الشمال والجنوب.

الأسرة ذات الدخل الأقل ومدخرات أقل تملك مساحة أضيق لامتصاص صدمة الوقود أو الإيجار أو الغذاء.

وهنا تتضح دلالة عربات التسوق:

الأزمة لا تقيس فقط كم تدفع الأسرة.. بل كم تستطيع أن تضع في العربة بعد الدفع.

روما تتحرك.. لكن أدواتها قصيرة المدى

الحكومة الإيطالية لجأت إلى مجموعة من الأدوات السريعة.

تخفيضات على الوقود.

دعم لفواتير الكهرباء.

توسيع نطاق بعض مساعدات الطاقة.

وسقف مؤقت لأسعار الوقود بالتعاون مع شركات الطاقة.

ومنذ بداية أكتوبر، حددت شركات كبرى، بينها إيني، سقفًا عند نحو 1.99 يورو للبنزين و2.19 يورو للديزل.

كما ينص قانون دعم الطاقة على مساهمة استثنائية قدرها 115 يورو للأسر المستفيدة من الدعم الاجتماعي للكهرباء.

لكن هذه الإجراءات تعالج السعر الآن أكثر مما تعالج سبب ارتفاع السعر.

وهنا تبدأ المشكلة السياسية.

المفوضية الأوروبية

إنقاذ المستهلك له ثمن

الحكومة تريد مساحة مالية إضافية لمواجهة الطاقة والدفاع.

في خطة أكتوبر، تطلب روما مرونة تعادل نحو 14 مليار يورو في 2027 ومثلها في 2028، موزعة بنحو 0.3% من الناتج للطاقة و0.3% للدفاع سنويًا.

وتتوقع الحكومة نموًا عند 1% في 2026 و0.8% في 2027، مع ارتفاع العجز إلى نحو 3.4% من الناتج في 2027.

لكن المفوضية الأوروبية كانت أكثر تحفظًا قبل هذه التطورات؛ إذ توقعت نموًا عند 0.5% في 2026 و0.6% في 2027، مع وصول الدين إلى 139.2%من الناتج في 2027.

وهنا تتقاطع ثلاث أزمات في رقم واحد:

تضخم مرتفع.

نمو ضعيف.

ودين عام ضخم.

المعركة ليست اقتصادية فقط.. بل سياسية

داخل الائتلاف الحاكم نفسه ظهر خلاف حول حجم الإنفاق الدفاعي، وانتهت الخطة إلى تقليص الزيادة المرتبطة بالدفاع بنحو 8 مليارات يورو مقارنة بالتصور السابق، مع الإبقاء على مساحة للإنفاق على الطاقة.

وفي المقابل، تدفع قوى المعارضة والنقابات باتجاه إعطاء أولوية أكبر للأجور والخدمات العامة ودعم الأسر، بينما تستمر الحكومة في الموازنة بين الطاقة والدفاع والانضباط المالي.

إذن المعركة ليست: هل تنفق إيطاليا أم لا؟

بل:

على ماذا تنفق؟

ومن يدفع؟

وإلى متى تستطيع روما الاستمرار؟

الوقود يتحول إلى قضية سياسية أوروبية

المشهد يتكرر خارج إيطاليا.

في البرتغال، نظم سائقو شاحنات احتجاجات «السير البطيء» بسبب ارتفاع الوقود، مع تجاوز سعر الديزل حاجز اليوروين للتر.

وفي فرنسا، أغلق صيادون موانئ ومنشآت نفطية احتجاجًا على ارتفاع سعر الديزل، بعدما أصبح الوقود يضغط مباشرة على ربحية القطاع.

القاسم المشترك واضح:

الوقود يتحول من سلعة إلى قضية سياسية.

لأنه يصل إلى المواطن يوميًا.

في محطة البنزين.

في فاتورة الكهرباء.

في سعر الخبز.

وفي تكلفة الذهاب إلى العمل.

الكوكايين

الاختبار الحقيقي ليس خفض السعر.. بل منع الأزمة من التحول إلى دوامة

إيطاليا تحاول شراء الوقت.

تخفض بعض التكاليف.

تدعم الأسر.

تطلب مرونة أوروبية.

وتحاول حماية النمو.

لكن المعادلة صعبة:

إذا أنفقت إيطاليا أكثر، ارتفع الضغط على العجز والدين.

وإذا أنفقت أقل، تحملت الأسر والشركات جزءًا أكبر من صدمة الطاقة.

وإذا استمر التضخم، تآكلت الأجور الحقيقية والاستهلاك.

وإذا تباطأ النمو، أصبح خفض الدين أصعب.

ولهذا تختصر عربة التسوق شبه الفارغة في نابولي المشهد كله:

المشكلة لم تعد أن الإيطالي يدفع أكثر فقط..

بل أن كل ما يدفعه يترك له أقل.

وهنا تحديدًا تتحول أزمة المعيشة إلى اختبار سياسي للموازنة، وللقدرة على إدارة الدين، ولعلاقة روما ببروكسل في الوقت نفسه.

عماد السيد

في نابولي، لم يرفع المتظاهرون لافتات فقط.. بل دفعوا عربات تسوق شبه فارغة.. الرسالة السياسية كانت مباشرة: الأسرة في إيطاليا تدفع أكثر.. لكنها تشتري أقل.

في الأسبوع الأول من أكتوبر الجاري، خرج مئات المتظاهرين في نابولي احتجاجًا على الوقود وغلاء المعيشة، وأحرق بعضهم فواتير الكهرباء والغاز.

وقال منظمو التحرك إن نحو 40% من سكان المدينة يعيشون بالإيجار، وإن الغذاء وفواتير المنزل تستهلك أكثر من 60% من متوسط دخل الأسرة. وهذه الأرقام تخص تقديرات منظمي الاحتجاج، وليست إحصاءً رسميًا.

لكن الصورة الأكبر أخطر.

التضخم في إيطاليا قفز إلى 4.2% في سبتمبر، مقابل 3.3% في أغسطس.

والأسوأ أن الطاقة هي المحرك الرئيسي: أسعار الطاقة ارتفعت بنحو 22.3%، والطاقة المنظمة وحدها قفزت 25.9%.

وهنا تتحول أزمة نابولي من احتجاج محلي إلى اختبار اقتصادي وسياسي للحكومة في روما.

احتجاجات غلاء المعيشة في إيطاليا

احتجاجات غلاء المعيشة في إيطاليا

 الوقود لم يعد مجرد فاتورة.. بل أصبح محركًا للتضخم

المشكلة تبدأ من محطة الوقود، لكنها لا تنتهي عندها.

ارتفاع تكلفة الديزل يعني نقلًا أغلى.

ونقل أغلى يعني غذاءً أغلى.

وطاقة أغلى تعني فواتير أعلى وتكلفة إنتاج أكبر.

والبيانات الإيطالية تؤكد انتقال الصدمة إلى الغذاء؛ أسعار الأغذية غير المصنعة ارتفعت 5.5% في سبتمبر. كما ارتفعت أسعار الخدمات المرتبطة بالنقل بوتيرة أسرع.

أي أن عربة التسوق الفارغة ليست مجرد صورة احتجاجية؛ إنها تلخص آلية الأزمة نفسها.

والضغط لا يقع على الأسر فقط.

الشركات في إيطاليا تواجه تكلفة طاقة ونقل أعلى، وهو ما قد يضغط على هوامش الأرباح أو يدفعها إلى رفع الأسعار مجددًا.

المفارقة الأخطر: دخل الأسرة يرتفع وقدرتها الشرائية تنخفض

هذه هي النقطة التي تكشف عمق الأزمة.

في الربع الثاني من 2026، ارتفع الدخل المتاح للأسر في إيطاليا اسميًا 0.4% فقط، بينما زاد الإنفاق الاستهلاكي 1.7%.

وبعد احتساب التضخم، انخفض الدخل الحقيقي المتاح للأسر 0.9%. كما هبط معدل الادخار إلى 6.7%.

بمعنى أبسط:

الإيطالي لا يواجه فقط أسعارًا أعلى.. بل يستهلك من مدخراته للحفاظ على مستوى معيشته.

الجنوب يدفع الفاتورة الأكبر

نابولي ليست مجرد موقع للاحتجاج.

إنها جزء من جنوب إيطاليا، حيث الفجوة في الدخل وفرص العمل تجعل صدمة الأسعار أكثر قسوة.

ولهذا فإن ارتفاع السعر نفسه لا ينتج الأثر نفسه في الشمال والجنوب.

الأسرة ذات الدخل الأقل ومدخرات أقل تملك مساحة أضيق لامتصاص صدمة الوقود أو الإيجار أو الغذاء.

وهنا تتضح دلالة عربات التسوق:

الأزمة لا تقيس فقط كم تدفع الأسرة.. بل كم تستطيع أن تضع في العربة بعد الدفع.

روما تتحرك.. لكن أدواتها قصيرة المدى

الحكومة الإيطالية لجأت إلى مجموعة من الأدوات السريعة.

تخفيضات على الوقود.

دعم لفواتير الكهرباء.

توسيع نطاق بعض مساعدات الطاقة.

وسقف مؤقت لأسعار الوقود بالتعاون مع شركات الطاقة.

ومنذ بداية أكتوبر، حددت شركات كبرى، بينها إيني، سقفًا عند نحو 1.99 يورو للبنزين و2.19 يورو للديزل.

كما ينص قانون دعم الطاقة على مساهمة استثنائية قدرها 115 يورو للأسر المستفيدة من الدعم الاجتماعي للكهرباء.

لكن هذه الإجراءات تعالج السعر الآن أكثر مما تعالج سبب ارتفاع السعر.

وهنا تبدأ المشكلة السياسية.

المفوضية الأوروبية

إنقاذ المستهلك له ثمن

الحكومة تريد مساحة مالية إضافية لمواجهة الطاقة والدفاع.

في خطة أكتوبر، تطلب روما مرونة تعادل نحو 14 مليار يورو في 2027 ومثلها في 2028، موزعة بنحو 0.3% من الناتج للطاقة و0.3% للدفاع سنويًا.

وتتوقع الحكومة نموًا عند 1% في 2026 و0.8% في 2027، مع ارتفاع العجز إلى نحو 3.4% من الناتج في 2027.

لكن المفوضية الأوروبية كانت أكثر تحفظًا قبل هذه التطورات؛ إذ توقعت نموًا عند 0.5% في 2026 و0.6% في 2027، مع وصول الدين إلى 139.2%من الناتج في 2027.

وهنا تتقاطع ثلاث أزمات في رقم واحد:

تضخم مرتفع.

نمو ضعيف.

ودين عام ضخم.

المعركة ليست اقتصادية فقط.. بل سياسية

داخل الائتلاف الحاكم نفسه ظهر خلاف حول حجم الإنفاق الدفاعي، وانتهت الخطة إلى تقليص الزيادة المرتبطة بالدفاع بنحو 8 مليارات يورو مقارنة بالتصور السابق، مع الإبقاء على مساحة للإنفاق على الطاقة.

وفي المقابل، تدفع قوى المعارضة والنقابات باتجاه إعطاء أولوية أكبر للأجور والخدمات العامة ودعم الأسر، بينما تستمر الحكومة في الموازنة بين الطاقة والدفاع والانضباط المالي.

إذن المعركة ليست: هل تنفق إيطاليا أم لا؟

بل:

على ماذا تنفق؟

ومن يدفع؟

وإلى متى تستطيع روما الاستمرار؟

الوقود يتحول إلى قضية سياسية أوروبية

المشهد يتكرر خارج إيطاليا.

في البرتغال، نظم سائقو شاحنات احتجاجات «السير البطيء» بسبب ارتفاع الوقود، مع تجاوز سعر الديزل حاجز اليوروين للتر.

وفي فرنسا، أغلق صيادون موانئ ومنشآت نفطية احتجاجًا على ارتفاع سعر الديزل، بعدما أصبح الوقود يضغط مباشرة على ربحية القطاع.

القاسم المشترك واضح:

الوقود يتحول من سلعة إلى قضية سياسية.

لأنه يصل إلى المواطن يوميًا.

في محطة البنزين.

في فاتورة الكهرباء.

في سعر الخبز.

وفي تكلفة الذهاب إلى العمل.

الكوكايين

الاختبار الحقيقي ليس خفض السعر.. بل منع الأزمة من التحول إلى دوامة

إيطاليا تحاول شراء الوقت.

تخفض بعض التكاليف.

تدعم الأسر.

تطلب مرونة أوروبية.

وتحاول حماية النمو.

لكن المعادلة صعبة:

إذا أنفقت إيطاليا أكثر، ارتفع الضغط على العجز والدين.

وإذا أنفقت أقل، تحملت الأسر والشركات جزءًا أكبر من صدمة الطاقة.

وإذا استمر التضخم، تآكلت الأجور الحقيقية والاستهلاك.

وإذا تباطأ النمو، أصبح خفض الدين أصعب.

ولهذا تختصر عربة التسوق شبه الفارغة في نابولي المشهد كله:

المشكلة لم تعد أن الإيطالي يدفع أكثر فقط..

بل أن كل ما يدفعه يترك له أقل.

وهنا تحديدًا تتحول أزمة المعيشة إلى اختبار سياسي للموازنة، وللقدرة على إدارة الدين، ولعلاقة روما ببروكسل في الوقت نفسه.

عربة تسوق فارغة تهز إيطاليا.. الغلاء يصل إلى البرلمان والدين يقترب من الخطر