عماد السيد
من الكوتا إلى قمة البرلمان.. كيف وصلت أول جزائرية إلى كرسي الرئاسة؟
64 عاماً من الرجال.. ثم جاءت خليدة بوفدش
خليدة بوفدش ليست مجرد رئيسة جديدة للمجلس.. بل نتيجة لمسار سياسي بدأ قبل 14 عاماً
الجزائر لديها الآن أول امرأة تترأس المجلس الشعبي الوطني منذ الاستقلال.
لكن المفاجأة الحقيقية ليست في لحظة انتخاب خليدة بوفدش فقط.
القصة بدأت قبل ذلك بسنوات، عندما تغيّرت قواعد اللعبة السياسية أمام النساء، ثم تحولت المشاركة من أرقام في القوائم الانتخابية إلى حضور داخل المجالس المحلية، ومنها إلى البرلمان، وصولاً إلى أعلى منصب في الغرفة السفلى.
بوفدش، الطبيبة المتخصصة في أمراض الحساسية والمناعة، دخلت السياسة من بوابة المجالس المنتخبة محلياً، قبل أن تصبح نائبة عن جبهة التحرير الوطني، ثم تنتخب رئيسة للمجلس الشعبي الوطني بأغلبية 302 صوتاً من أصل 366 صوتاً معبراً عنه.

خليدة بوفدش
البداية كانت من تعديل القواعد.. لا من تغيير الوجوه
لسنوات طويلة، ظل حضور المرأة في البرلمان الجزائري محدوداً رغم وجود مبدأ المساواة دستورياً.
التحول الحقيقي جاء على مرحلتين.
في 2008، فتح التعديل الدستوري الباب أمام إجراءات تستهدف رفع تمثيل المرأة في المجالس المنتخبة.
ثم جاء 2012 ليحوّل المبدأ إلى آلية انتخابية أكثر وضوحاً عبر نظام الحصص، والنتيجة كانت قفزة كبيرة.
بدلاً من بقاء النساء عند مستويات تمثيل محدودة، أصبحت القوائم الحزبية مطالبة بإدراج النساء بنسب محددة، فتحولت المشاركة النسوية من فرصة استثنائية إلى عنصر دائم في المنافسة الانتخابية.
وهنا حدث التغيير الأهم: الأحزاب نفسها اضطرت إلى البحث عن كوادر نسائية قادرة على خوض الانتخابات والفوز بها.

خليدة بوفدش
الكوتا صنعت جيلاً سياسياً جديداً
لم تكن أهمية 2012 في عدد المقاعد فقط، فالنساء اللواتي دخلن المجالس البلدية والولائية حصلن على شيء أهم: الخبرة السياسية.
إدارة الميزانيات.
مناقشة الخدمات.
التعامل مع الإدارات.
الاحتكاك بالناخبين.
وبناء شبكات سياسية محلية.
وهذه الخبرة أصبحت لاحقاً منصة للانتقال إلى البرلمان الوطني.
مسار خليدة بوفدش يختصر هذه الفكرة بوضوح: بدأت عضوة في المجلس الشعبي البلدي بين 2012 و2017، ثم انتقلت إلى المجلس الشعبي الولائي للعاصمة بين 2021 و2026، قبل وصولها إلى المجلس الشعبي الوطني ثم رئاسته.

البرلمان الجزائري
من غرفة واحدة إلى برلمان بغرفتين.. والمرأة تصعد معه
المسار لم يكن انتخابياً فقط، فالنظام البرلماني الجزائري نفسه تغيّر.
فبعد مرحلة المجلس الواحد، جاء دستور 1996 ليؤسس نظاماً من غرفتين: المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة.
ثم جاءت تعديلات دستورية لاحقة، وصولاً إلى دستور 2020 الذي عزز الإطار المؤسسي للرقابة الدستورية وكرّس مبادئ أوسع لدعم المشاركة السياسية للمرأة.
بمعنى آخر، المرأة لم تصعد وحدها.. المؤسسات نفسها كانت تتغير، وقواعد المشاركة السياسية كانت تتطور معها.

البرلمان الجزائري
2026 .. الرقم يتحول إلى نفوذ
تشريعيات 2 يوليو 2026 أفرزت مجلساً من 407 مقاعد، وتصدرت جبهة التحرير الوطني النتائج بـ91 مقعداً، تلتها جبهة التجمع الوطني الديمقراطي بـ74، ثم جبهة المستقبل بـ56.
ومجموع الأحزاب الثلاثة بلغ 221 مقعداً، أي أغلبية مطلقة.
وسط هذه الخريطة، جاءت الخطوة الأكثر رمزية:
امرأة لا تجلس فقط داخل البرلمان، بل تدير الغرفة السفلى نفسها.
وهنا تتغير طبيعة السؤال.
لم يعد السؤال: كم امرأة وصلت إلى البرلمان؟
بل: كم امرأة تستطيع أن تقود المؤسسة؟
بوفدش.. من الطب إلى السياسة ثم إلى قمة التشريع
مسار بوفدش يحمل دلالة إضافية، فهي لم تأتِ من مسار سياسي تقليدي فقط، بل من مهنة تقنية هي الطب، ثم انتقلت تدريجياً إلى الإدارة الصحية والعمل المحلي، قبل دخول البرلمان الوطني.
أي أن صعودها يجمع ثلاثة مستويات:
كفاءة مهنية.. خبرة محلية.. ثم قيادة وطنية.
وهذا بالضبط ما يجعل تجربتها مختلفة عن مجرد نجاح انتخابي عابر.

خليدة بوفدش
الجزائر أمام اختبار المرحلة التالية
انتخاب بوفدش يضع تجربة تمكين المرأة أمام مرحلة جديدة.
المرحلة الأولى كانت فتح الباب.
ثم جاءت مرحلة زيادة الأعداد.
أما المرحلة الجديدة فهي تحويل الحضور إلى قيادة وصناعة قرار.
ولذلك، فإن الصورة الأوسع في الجزائر لا تتعلق بامرأة وصلت إلى رئاسة البرلمان فقط.
إنها قصة نظام انتخابي غيّر قواعد المشاركة، ومجالس محلية صنعت خبرات سياسية جديدة، وبرلمان أصبح أكثر انفتاحاً على صعود النساء.
وفي يوليو 2026، وصلت إحدى خريجات هذا المسار إلى قمة الغرفة السفلى، حكايتها بدأت من الكوتا إلى البرلمان.. ومن البرلمان إلى رئاسة البرلمان.
وهنا تكمن دلالة خليدة بوفدش: أنها لا تمثل فقط أول امرأة تتولى المنصب، بل تمثل اختباراً لما إذا كان التمثيل النسائي الذي بدأ كرقم انتخابي يمكن أن يتحول إلى نفوذ مؤسسي مستدام.
عماد السيد
من الكوتا إلى قمة البرلمان.. كيف وصلت أول جزائرية إلى كرسي الرئاسة؟
64 عاماً من الرجال.. ثم جاءت خليدة بوفدش
خليدة بوفدش ليست مجرد رئيسة جديدة للمجلس.. بل نتيجة لمسار سياسي بدأ قبل 14 عاماً
الجزائر لديها الآن أول امرأة تترأس المجلس الشعبي الوطني منذ الاستقلال.
لكن المفاجأة الحقيقية ليست في لحظة انتخاب خليدة بوفدش فقط.
القصة بدأت قبل ذلك بسنوات، عندما تغيّرت قواعد اللعبة السياسية أمام النساء، ثم تحولت المشاركة من أرقام في القوائم الانتخابية إلى حضور داخل المجالس المحلية، ومنها إلى البرلمان، وصولاً إلى أعلى منصب في الغرفة السفلى.
بوفدش، الطبيبة المتخصصة في أمراض الحساسية والمناعة، دخلت السياسة من بوابة المجالس المنتخبة محلياً، قبل أن تصبح نائبة عن جبهة التحرير الوطني، ثم تنتخب رئيسة للمجلس الشعبي الوطني بأغلبية 302 صوتاً من أصل 366 صوتاً معبراً عنه.

خليدة بوفدش
البداية كانت من تعديل القواعد.. لا من تغيير الوجوه
لسنوات طويلة، ظل حضور المرأة في البرلمان الجزائري محدوداً رغم وجود مبدأ المساواة دستورياً.
التحول الحقيقي جاء على مرحلتين.
في 2008، فتح التعديل الدستوري الباب أمام إجراءات تستهدف رفع تمثيل المرأة في المجالس المنتخبة.
ثم جاء 2012 ليحوّل المبدأ إلى آلية انتخابية أكثر وضوحاً عبر نظام الحصص، والنتيجة كانت قفزة كبيرة.
بدلاً من بقاء النساء عند مستويات تمثيل محدودة، أصبحت القوائم الحزبية مطالبة بإدراج النساء بنسب محددة، فتحولت المشاركة النسوية من فرصة استثنائية إلى عنصر دائم في المنافسة الانتخابية.
وهنا حدث التغيير الأهم: الأحزاب نفسها اضطرت إلى البحث عن كوادر نسائية قادرة على خوض الانتخابات والفوز بها.

خليدة بوفدش
الكوتا صنعت جيلاً سياسياً جديداً
لم تكن أهمية 2012 في عدد المقاعد فقط، فالنساء اللواتي دخلن المجالس البلدية والولائية حصلن على شيء أهم: الخبرة السياسية.
إدارة الميزانيات.
مناقشة الخدمات.
التعامل مع الإدارات.
الاحتكاك بالناخبين.
وبناء شبكات سياسية محلية.
وهذه الخبرة أصبحت لاحقاً منصة للانتقال إلى البرلمان الوطني.
مسار خليدة بوفدش يختصر هذه الفكرة بوضوح: بدأت عضوة في المجلس الشعبي البلدي بين 2012 و2017، ثم انتقلت إلى المجلس الشعبي الولائي للعاصمة بين 2021 و2026، قبل وصولها إلى المجلس الشعبي الوطني ثم رئاسته.

البرلمان الجزائري
من غرفة واحدة إلى برلمان بغرفتين.. والمرأة تصعد معه
المسار لم يكن انتخابياً فقط، فالنظام البرلماني الجزائري نفسه تغيّر.
فبعد مرحلة المجلس الواحد، جاء دستور 1996 ليؤسس نظاماً من غرفتين: المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة.
ثم جاءت تعديلات دستورية لاحقة، وصولاً إلى دستور 2020 الذي عزز الإطار المؤسسي للرقابة الدستورية وكرّس مبادئ أوسع لدعم المشاركة السياسية للمرأة.
بمعنى آخر، المرأة لم تصعد وحدها.. المؤسسات نفسها كانت تتغير، وقواعد المشاركة السياسية كانت تتطور معها.

البرلمان الجزائري
2026 .. الرقم يتحول إلى نفوذ
تشريعيات 2 يوليو 2026 أفرزت مجلساً من 407 مقاعد، وتصدرت جبهة التحرير الوطني النتائج بـ91 مقعداً، تلتها جبهة التجمع الوطني الديمقراطي بـ74، ثم جبهة المستقبل بـ56.
ومجموع الأحزاب الثلاثة بلغ 221 مقعداً، أي أغلبية مطلقة.
وسط هذه الخريطة، جاءت الخطوة الأكثر رمزية:
امرأة لا تجلس فقط داخل البرلمان، بل تدير الغرفة السفلى نفسها.
وهنا تتغير طبيعة السؤال.
لم يعد السؤال: كم امرأة وصلت إلى البرلمان؟
بل: كم امرأة تستطيع أن تقود المؤسسة؟
بوفدش.. من الطب إلى السياسة ثم إلى قمة التشريع
مسار بوفدش يحمل دلالة إضافية، فهي لم تأتِ من مسار سياسي تقليدي فقط، بل من مهنة تقنية هي الطب، ثم انتقلت تدريجياً إلى الإدارة الصحية والعمل المحلي، قبل دخول البرلمان الوطني.
أي أن صعودها يجمع ثلاثة مستويات:
كفاءة مهنية.. خبرة محلية.. ثم قيادة وطنية.
وهذا بالضبط ما يجعل تجربتها مختلفة عن مجرد نجاح انتخابي عابر.

خليدة بوفدش
الجزائر أمام اختبار المرحلة التالية
انتخاب بوفدش يضع تجربة تمكين المرأة أمام مرحلة جديدة.
المرحلة الأولى كانت فتح الباب.
ثم جاءت مرحلة زيادة الأعداد.
أما المرحلة الجديدة فهي تحويل الحضور إلى قيادة وصناعة قرار.
ولذلك، فإن الصورة الأوسع في الجزائر لا تتعلق بامرأة وصلت إلى رئاسة البرلمان فقط.
إنها قصة نظام انتخابي غيّر قواعد المشاركة، ومجالس محلية صنعت خبرات سياسية جديدة، وبرلمان أصبح أكثر انفتاحاً على صعود النساء.
وفي يوليو 2026، وصلت إحدى خريجات هذا المسار إلى قمة الغرفة السفلى، حكايتها بدأت من الكوتا إلى البرلمان.. ومن البرلمان إلى رئاسة البرلمان.
وهنا تكمن دلالة خليدة بوفدش: أنها لا تمثل فقط أول امرأة تتولى المنصب، بل تمثل اختباراً لما إذا كان التمثيل النسائي الذي بدأ كرقم انتخابي يمكن أن يتحول إلى نفوذ مؤسسي مستدام.





