راديو أوريان
أعاد زلزال مصر الأخير الذي ضرب منطقة خليج السويس وشعر به سكان القاهرة بقوة 5.5 درجة، الحديث عن قدرة أهرامات الجيزة على الصمود أمام الزلازل التي ضربت البلاد على مر العصور الممتدة لآلاف السنين.
المشهد ليس جديدًا، في زلزال مصر الأخير، فعلى مدار آلاف السنين، تعرضت مصر لزلازل متعددة، بعضها كان مدمرًا وأسقط مباني وألحق أضرارًا بآثار تاريخية، بينما ظلت أهرامات الجيزة صامدة وهي أحد أقدم وأضخم المباني التي شيدها الإنسان على الإطلاق.
فكيف تمكن بناء شُيد قبل نحو 4600 عام، على أقل تقدير دون خرسانة مسلحة أو تقنيات هندسية حديثة، من تحمل زلزال مصر الأخير وقرون طويلة من الاهتزازات الأرضية؟
دراسة علمية حديثة نشرت في مايو 2026 ربما تقدم أفضل إجابة توصل إليها العلماء حتى الآن.

أهرامات الجيزة تصمد أمام زلزال مصر الأخير
زلزال مصر الأخير يعيد السؤال
سجلت الشبكة القومية للزلازل التابعة للمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية زلزال مصر الأخير فجر 3 أغسطس، وبلغت قوته 5.5 درجة، وكان مركزه في منطقة خليج السويس.
وشعر بزلزال مصر سكان القاهرة ومحافظات أخرى، دون تسجيل خسائر بشرية كبيرة، وفق البيانات الرسمية المصرية.
لكن مصر ليست بعيدة تمامًا عن النشاط الزلزالي؛ فهي تقع بالقرب من عدة نطاقات تكتونية نشطة، خاصة خليج العقبة والبحر الأحمر وخليج السويس وشرق البحر المتوسط.
وعلى مدار التاريخ تعرضت البلاد لعدد من الزلازل الكبيرة، وكان بعضها قويًا بما يكفي لإلحاق أضرار واسعة بالمباني.

أهرامات الجيزة
زلزال 1992.. الاختبار الحديث
أحد أشهر هذه الأحداث وقع في 12 أكتوبر 1992، عندما ضرب زلزال دهشور منطقة القاهرة الكبرى بقوة تقارب 5.8 درجة.
ورغم أن زلزال مصر في 1992 قوته لم تكن استثنائية بالمقاييس العالمية، فإنه تسبب في أضرار واسعة بسبب قرب مركزه من المناطق المأهولة وطبيعة بعض المباني.
ولم تسلم الآثار تمامًا، فالدراسات العلمية المتعلقة بتأثير الزلزال على المواقع الأثرية تشير إلى تعرض هرم زوسر المدرج في سقارة لأضرار، وهو ما دفع لاحقًا إلى إجراء دراسات هندسية وجيوفيزيائية لتقييم المخاطر الزلزالية المحيطة به.
أما هرم خوفو فخرج من الزلزال دون انهيار هيكلي، وإن ارتبط النشاط الزلزالي عبر القرون بسقوط أجزاء من كسوته الخارجية وغيرها من الأضرار المحدودة مقارنة بعمر البناء وضخامته.
الأهرامات تضررت.. لكنها لم تسقط
السجلات والدراسات تشير إلى أن الزلازل التاريخية تسببت في أضرار صغيرة أو متوسطة داخل مجمع الأهرامات، كما ساهمت عوامل أخرى، بينها التجوية وإزالة أحجار الكسوة وإعادة استخدامها في عصور لاحقة، في تغيير الشكل الخارجي الذي نراه اليوم.
لكن اللافت هو أن البنية الرئيسية للأهرامات بقيت قائمة رغم زلزال مصر الأخير وغيره من الزلازل.
وهذا بالضبط ما حاول فريق مصري–ياباني تفسيره في دراسة حديثة نشرتها مجلة Scientific Reports التابعة لمجموعة Nature في 21 مايو 2026.

أهرامات الجيزة
37 جهاز قياس داخل خوفو
لم يعتمد العلماء هذه المرة على محاكاة حاسوبية فقط، وضع الباحثون أجهزة لقياس الاهتزازات في 37 موقعًا مختلفًا داخل هرم خوفو وحوله، شملت الحجرات الداخلية والكتل الإنشائية والتربة المجاورة.
كان الهدف معرفة «البصمة الاهتزازية» للهرم؛ أي الطريقة التي يهتز بها البناء عندما تتحرك الأرض.
والنتيجة كانت لافتة حيث وجد الباحثون أن التردد الطبيعي لأجزاء الهرم المختلفة يقع بصورة متجانسة تقريبًا بين 2 و2.6 هرتز، بمتوسط نحو 2.3 هرتز.
أما الأرض المحيطة بالهرم فتبلغ قيمة ترددها نحو 0.6 هرتز فقط.
وهذا الاختلاف يمثل أحد أهم أسرار صمود خوفو أمام زلزال مصر الأخير وغيره من الزلازل.

أهرامات الجيزة
السر الأول.. الهرم لا «يرقص» مع الأرض
أحد أخطر السيناريوهات أثناء الزلزال يحدث عندما يصبح تردد اهتزاز المبنى قريبًا من تردد اهتزاز الأرض.
عندها يمكن أن تحدث ظاهرة تسمى الرنين، فتتضخم حركة المبنى بصورة كبيرة، كما يحدث عندما تدفع أرجوحة في اللحظة المناسبة فتزداد حركتها تدريجيًا.
هرم خوفو لديه ميزة مهمة: تردده الطبيعي مختلف بدرجة كبيرة عن تردد التربة المحيطة.
وبالتالي لا تتزامن اهتزازات البناء بسهولة مع حركة الأرض بطريقة تؤدي إلى تضخيم الاهتزازات.
الدراسة تصف هذا الاختلاف بأنه آلية رئيسية تساعد في حماية الهرم من تضخيم الموجات الزلزالية الناتج عن تفاعل التربة مع البناء.
السر الثاني.. شكل الهرم نفسه
ثم تأتي الهندسة، فالهرم ليس برجًا مرتفعًا قائمًا فوق قاعدة صغيرة، بل كتلة ضخمة تتسع بشدة عند الأسفل وتضيق تدريجيًا كلما ارتفعنا.
هذا الشكل يمنحه مركز ثقل منخفضًا نسبيًا وقاعدة هائلة الاتساع، ويجعل الكتلة موزعة بطريقة شديدة الاستقرار.
ويبلغ طول قاعدة هرم خوفو نحو 230 مترًا لكل جانب، بينما كان ارتفاعه الأصلي يقارب 146.6 متر.
وبخلاف المباني الطويلة والنحيلة، التي يمكن أن تتعرض لحركة جانبية كبيرة أثناء الزلازل، فإن الشكل الهرمي يقلل بطبيعته قابلية المنشأة للانقلاب أو التأرجح العنيف.
وتشير الدراسات الهندسية الخاصة بأهرامات الجيزة إلى أن استقرار الشكل الهندسي وصلابة البناء ودقة التنفيذ من العوامل الأساسية التي ساعدتها على مقاومة النشاط الزلزالي عبر التاريخ.

أهرامات الجيزة
السر الثالث.. ملايين الأطنان من الحجر
هرم خوفو كتلة هائلة، حيث بُني من نحو 2.3 مليون كتلة حجرية من الحجر الجيري والجرانيت، ما يمنحه كتلة ضخمة واستقرارًا استثنائيًا.
لكن الكتلة وحدها ليست السر، فالدراسة الحديثة وجدت تجانسًا ملحوظًا في الخصائص الديناميكية لمختلف أجزاء البناء، ما يشير إلى أن الكتلة الضخمة تعمل إنشائيًا بطريقة متماسكة بدرجة كبيرة.
ووصف الباحثون الهرم بأنه يتمتع بتوازن وضبط ديناميكي لافتين، يسمحان له بتشتيت الاهتزازات بدلًا من تركيزها في نقطة واحدة.
السر الرابع.. هضبة الجيزة
المصريون القدماء لم يضعوا خوفو فوق أرض رخوة، حيث شيدت الأهرامات فوق التكوينات الصخرية الجيرية لهضبة الجيزة، وهو عامل جيولوجي بالغ الأهمية.
فالتربة الرخوة يمكن أن تضخم الموجات الزلزالية، بينما توفر القاعدة الصخرية الصلبة استقرارًا أكبر للمنشآت الضخمة.
وتشير دراسة سابقة عن استدامة أهرامات الجيزة إلى أن اختيار الموقع والخصائص الجيولوجية للهضبة، إلى جانب انخفاض النشاط الزلزالي النسبي في الموقع نفسه، كانت جميعها عوامل ساعدت في بقاء الأهرامات.
أي أن السر ليس في البناء فقط، بل أيضًا في الأرض التي بُني عليها.

حجرة الملك داخل هرم خوفو
المفاجأة داخل حجرة الملك
لكن أكثر ما أثار اهتمام الباحثين في الدراسة الجديدة كان موجودًا داخل الهرم.
فوق حجرة الملك توجد مجموعة من الحجرات الصغيرة المعروفة باسم حجرات تخفيف الضغط.
وكان الهدف الهندسي الأساسي منها توزيع الأحمال الهائلة الموجودة فوق حجرة الملك وحمايتها من الانهيار تحت وزن الأحجار.
لكن القياسات الحديثة كشفت وظيفة ديناميكية مثيرة للاهتمام أيضًا.
وجد العلماء أن تضخيم الاهتزازات يزداد تدريجيًا مع الارتفاع داخل الهرم حتى مستوى يقارب 48.7 مترًا، ثم ينخفض بصورة واضحة في المنطقة التي توجد فيها حجرات تخفيف الضغط، الممتدة تقريبًا بين ارتفاعي 48.9 و61.1 مترًا.
فهندسة هذه الحجرات تساعد فعليًا على تقليل الاستجابة للاهتزازات داخل أحد أكثر أجزاء الهرم حساسية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن المصري القديم صمم الحجرات خصيصًا لمقاومة الزلازل؛ فالدراسة تكشف أثرًا إنشائيًا فعليًا لتصميمها، لكنها لا تستطيع إثبات نية المهندسين القدماء أو معرفتهم بالمفهوم الحديث للهندسة الزلزالية.
وبعد نحو 4600 عام من تشييده، لم تعد المفاجأة فقط أن المصريين القدماء استطاعوا رفع ملايين الأحجار إلى هذا الارتفاع، بل أن الطريقة التي رُصت بها هذه الأحجار أنتجت بناءً قادرًا على تحمل آلاف السنين من الرياح والتعرية والتغيرات المناخية والزلازل، ومنها زلزال مصر الأخير.
راديو أوريان
أعاد زلزال مصر الأخير الذي ضرب منطقة خليج السويس وشعر به سكان القاهرة بقوة 5.5 درجة، الحديث عن قدرة أهرامات الجيزة على الصمود أمام الزلازل التي ضربت البلاد على مر العصور الممتدة لآلاف السنين.
المشهد ليس جديدًا، في زلزال مصر الأخير، فعلى مدار آلاف السنين، تعرضت مصر لزلازل متعددة، بعضها كان مدمرًا وأسقط مباني وألحق أضرارًا بآثار تاريخية، بينما ظلت أهرامات الجيزة صامدة وهي أحد أقدم وأضخم المباني التي شيدها الإنسان على الإطلاق.
فكيف تمكن بناء شُيد قبل نحو 4600 عام، على أقل تقدير دون خرسانة مسلحة أو تقنيات هندسية حديثة، من تحمل زلزال مصر الأخير وقرون طويلة من الاهتزازات الأرضية؟
دراسة علمية حديثة نشرت في مايو 2026 ربما تقدم أفضل إجابة توصل إليها العلماء حتى الآن.

أهرامات الجيزة تصمد أمام زلزال مصر الأخير
زلزال مصر الأخير يعيد السؤال
سجلت الشبكة القومية للزلازل التابعة للمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية زلزال مصر الأخير فجر 3 أغسطس، وبلغت قوته 5.5 درجة، وكان مركزه في منطقة خليج السويس.
وشعر بزلزال مصر سكان القاهرة ومحافظات أخرى، دون تسجيل خسائر بشرية كبيرة، وفق البيانات الرسمية المصرية.
لكن مصر ليست بعيدة تمامًا عن النشاط الزلزالي؛ فهي تقع بالقرب من عدة نطاقات تكتونية نشطة، خاصة خليج العقبة والبحر الأحمر وخليج السويس وشرق البحر المتوسط.
وعلى مدار التاريخ تعرضت البلاد لعدد من الزلازل الكبيرة، وكان بعضها قويًا بما يكفي لإلحاق أضرار واسعة بالمباني.

أهرامات الجيزة
زلزال 1992.. الاختبار الحديث
أحد أشهر هذه الأحداث وقع في 12 أكتوبر 1992، عندما ضرب زلزال دهشور منطقة القاهرة الكبرى بقوة تقارب 5.8 درجة.
ورغم أن زلزال مصر في 1992 قوته لم تكن استثنائية بالمقاييس العالمية، فإنه تسبب في أضرار واسعة بسبب قرب مركزه من المناطق المأهولة وطبيعة بعض المباني.
ولم تسلم الآثار تمامًا، فالدراسات العلمية المتعلقة بتأثير الزلزال على المواقع الأثرية تشير إلى تعرض هرم زوسر المدرج في سقارة لأضرار، وهو ما دفع لاحقًا إلى إجراء دراسات هندسية وجيوفيزيائية لتقييم المخاطر الزلزالية المحيطة به.
أما هرم خوفو فخرج من الزلزال دون انهيار هيكلي، وإن ارتبط النشاط الزلزالي عبر القرون بسقوط أجزاء من كسوته الخارجية وغيرها من الأضرار المحدودة مقارنة بعمر البناء وضخامته.
الأهرامات تضررت.. لكنها لم تسقط
السجلات والدراسات تشير إلى أن الزلازل التاريخية تسببت في أضرار صغيرة أو متوسطة داخل مجمع الأهرامات، كما ساهمت عوامل أخرى، بينها التجوية وإزالة أحجار الكسوة وإعادة استخدامها في عصور لاحقة، في تغيير الشكل الخارجي الذي نراه اليوم.
لكن اللافت هو أن البنية الرئيسية للأهرامات بقيت قائمة رغم زلزال مصر الأخير وغيره من الزلازل.
وهذا بالضبط ما حاول فريق مصري–ياباني تفسيره في دراسة حديثة نشرتها مجلة Scientific Reports التابعة لمجموعة Nature في 21 مايو 2026.

أهرامات الجيزة
37 جهاز قياس داخل خوفو
لم يعتمد العلماء هذه المرة على محاكاة حاسوبية فقط، وضع الباحثون أجهزة لقياس الاهتزازات في 37 موقعًا مختلفًا داخل هرم خوفو وحوله، شملت الحجرات الداخلية والكتل الإنشائية والتربة المجاورة.
كان الهدف معرفة «البصمة الاهتزازية» للهرم؛ أي الطريقة التي يهتز بها البناء عندما تتحرك الأرض.
والنتيجة كانت لافتة حيث وجد الباحثون أن التردد الطبيعي لأجزاء الهرم المختلفة يقع بصورة متجانسة تقريبًا بين 2 و2.6 هرتز، بمتوسط نحو 2.3 هرتز.
أما الأرض المحيطة بالهرم فتبلغ قيمة ترددها نحو 0.6 هرتز فقط.
وهذا الاختلاف يمثل أحد أهم أسرار صمود خوفو أمام زلزال مصر الأخير وغيره من الزلازل.

أهرامات الجيزة
السر الأول.. الهرم لا «يرقص» مع الأرض
أحد أخطر السيناريوهات أثناء الزلزال يحدث عندما يصبح تردد اهتزاز المبنى قريبًا من تردد اهتزاز الأرض.
عندها يمكن أن تحدث ظاهرة تسمى الرنين، فتتضخم حركة المبنى بصورة كبيرة، كما يحدث عندما تدفع أرجوحة في اللحظة المناسبة فتزداد حركتها تدريجيًا.
هرم خوفو لديه ميزة مهمة: تردده الطبيعي مختلف بدرجة كبيرة عن تردد التربة المحيطة.
وبالتالي لا تتزامن اهتزازات البناء بسهولة مع حركة الأرض بطريقة تؤدي إلى تضخيم الاهتزازات.
الدراسة تصف هذا الاختلاف بأنه آلية رئيسية تساعد في حماية الهرم من تضخيم الموجات الزلزالية الناتج عن تفاعل التربة مع البناء.
السر الثاني.. شكل الهرم نفسه
ثم تأتي الهندسة، فالهرم ليس برجًا مرتفعًا قائمًا فوق قاعدة صغيرة، بل كتلة ضخمة تتسع بشدة عند الأسفل وتضيق تدريجيًا كلما ارتفعنا.
هذا الشكل يمنحه مركز ثقل منخفضًا نسبيًا وقاعدة هائلة الاتساع، ويجعل الكتلة موزعة بطريقة شديدة الاستقرار.
ويبلغ طول قاعدة هرم خوفو نحو 230 مترًا لكل جانب، بينما كان ارتفاعه الأصلي يقارب 146.6 متر.
وبخلاف المباني الطويلة والنحيلة، التي يمكن أن تتعرض لحركة جانبية كبيرة أثناء الزلازل، فإن الشكل الهرمي يقلل بطبيعته قابلية المنشأة للانقلاب أو التأرجح العنيف.
وتشير الدراسات الهندسية الخاصة بأهرامات الجيزة إلى أن استقرار الشكل الهندسي وصلابة البناء ودقة التنفيذ من العوامل الأساسية التي ساعدتها على مقاومة النشاط الزلزالي عبر التاريخ.

أهرامات الجيزة
السر الثالث.. ملايين الأطنان من الحجر
هرم خوفو كتلة هائلة، حيث بُني من نحو 2.3 مليون كتلة حجرية من الحجر الجيري والجرانيت، ما يمنحه كتلة ضخمة واستقرارًا استثنائيًا.
لكن الكتلة وحدها ليست السر، فالدراسة الحديثة وجدت تجانسًا ملحوظًا في الخصائص الديناميكية لمختلف أجزاء البناء، ما يشير إلى أن الكتلة الضخمة تعمل إنشائيًا بطريقة متماسكة بدرجة كبيرة.
ووصف الباحثون الهرم بأنه يتمتع بتوازن وضبط ديناميكي لافتين، يسمحان له بتشتيت الاهتزازات بدلًا من تركيزها في نقطة واحدة.
السر الرابع.. هضبة الجيزة
المصريون القدماء لم يضعوا خوفو فوق أرض رخوة، حيث شيدت الأهرامات فوق التكوينات الصخرية الجيرية لهضبة الجيزة، وهو عامل جيولوجي بالغ الأهمية.
فالتربة الرخوة يمكن أن تضخم الموجات الزلزالية، بينما توفر القاعدة الصخرية الصلبة استقرارًا أكبر للمنشآت الضخمة.
وتشير دراسة سابقة عن استدامة أهرامات الجيزة إلى أن اختيار الموقع والخصائص الجيولوجية للهضبة، إلى جانب انخفاض النشاط الزلزالي النسبي في الموقع نفسه، كانت جميعها عوامل ساعدت في بقاء الأهرامات.
أي أن السر ليس في البناء فقط، بل أيضًا في الأرض التي بُني عليها.

حجرة الملك داخل هرم خوفو
المفاجأة داخل حجرة الملك
لكن أكثر ما أثار اهتمام الباحثين في الدراسة الجديدة كان موجودًا داخل الهرم.
فوق حجرة الملك توجد مجموعة من الحجرات الصغيرة المعروفة باسم حجرات تخفيف الضغط.
وكان الهدف الهندسي الأساسي منها توزيع الأحمال الهائلة الموجودة فوق حجرة الملك وحمايتها من الانهيار تحت وزن الأحجار.
لكن القياسات الحديثة كشفت وظيفة ديناميكية مثيرة للاهتمام أيضًا.
وجد العلماء أن تضخيم الاهتزازات يزداد تدريجيًا مع الارتفاع داخل الهرم حتى مستوى يقارب 48.7 مترًا، ثم ينخفض بصورة واضحة في المنطقة التي توجد فيها حجرات تخفيف الضغط، الممتدة تقريبًا بين ارتفاعي 48.9 و61.1 مترًا.
فهندسة هذه الحجرات تساعد فعليًا على تقليل الاستجابة للاهتزازات داخل أحد أكثر أجزاء الهرم حساسية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن المصري القديم صمم الحجرات خصيصًا لمقاومة الزلازل؛ فالدراسة تكشف أثرًا إنشائيًا فعليًا لتصميمها، لكنها لا تستطيع إثبات نية المهندسين القدماء أو معرفتهم بالمفهوم الحديث للهندسة الزلزالية.
وبعد نحو 4600 عام من تشييده، لم تعد المفاجأة فقط أن المصريين القدماء استطاعوا رفع ملايين الأحجار إلى هذا الارتفاع، بل أن الطريقة التي رُصت بها هذه الأحجار أنتجت بناءً قادرًا على تحمل آلاف السنين من الرياح والتعرية والتغيرات المناخية والزلازل، ومنها زلزال مصر الأخير.





