راديو أوريان 

قبل سنوات قليلة فقط، كانت أوروبا تدخل الشتاء وهي مطمئنة، حيث مخازن الغاز ممتلئة بأكثر من 90%، والأسواق مستقرة، والخطر الأكبر اسمه “البرد”.

لكن اليوم.. القارة العجوز تدخل أخطر مرحلة طاقة في تاريخها الحديث، المخزونات قد تبدأ الموسم عند 76% فقط، أدنى مستوى منذ أكثر من 15 عاماً، والسبب لا يتعلق بأوروبا وحدها، بل بعالم مشتعل حولها، إغلاق مضيق هرمز عطل جزءاً من إمدادات الغاز العالمية، والممر وحده يعبر منه نحو 20% من تجارة الغاز المسال عالمياً.

والنتيجة؟

تباطؤ إعادة ملء المخزونات، قفزات سعرية، وضباب كثيف يغطي مستقبل الطاقة الأوروبي.. لكن المفارقة الكبرى أن الأزمة لم تعد أزمة شتاء فقط.

الصيف الذي تحول إلى وحش كهربائي

لسنوات طويلة، كان الصيف متنفساً لشبكات الكهرباء الأوروبية.

استهلاك أقل، ضغط محدود، ومدن لا تحتاج إلى التكييف إلا نادراً.

الآن تغير كل شيء، موجات الحر القياسية دفعت ملايين الأوروبيين لتشغيل المكيفات بشكل غير مسبوق، قارة بُنيت تاريخياً لمقاومة البرد

أصبحت فجأة مطالبة بمقاومة الحر أيضاً، وهنا بدأت الصدمة.

المشكلة لم تعد في إنتاج الكهرباء فقط، بل في قدرة الشبكات على تحمل “الانفجار المفاجئ” في الطلب.

دول أوروبية اضطرت بالفعل لشراء كهرباء إضافية بأسعار مرتفعة لتجنب الانقطاع.

ومع التوسع في السيارات الكهربائية وأنظمة التدفئة والتبريد ومراكز البيانات، أصبحت الشبكات تحت ضغط دائم.

وبحسب تقديرات غولدمان ساكس، تحتاج أوروبا إلى نحو 3.5 تريليون دولار لتطوير شبكات الكهرباء استعداداً لعصر السيارات الكهربائية فقط، فما بالك بعصر “التكييف الجماعي” الذي بدأ فعلياً؟

بريطانيا.. مستشفيات تختنق وسكان يُجبرون على إزالة المكيفات

المشهد في بريطانيا بدا أقرب إلى المفارقة السوداء، موجة حر تاريخية تضرب البلاد، مستشفيات تواجه خطر تعطل أنظمة التبريد داخل غرف العمليات، وباحثون من جامعة برمنغهام يحذرون من احتمال إلغاء ما بين 1400 و4000 عملية جراحية خلال أيام قليلة فقط بسبب الحرارة.

وفي الوقت نفسه، بعض السكان طُلب منهم إزالة أجهزة التكييف من منازلهم.

والسبب؟

قرارات تخطيط عمراني تعتبر التكييف “خياراً أخيراً” لأنه يستهلك طاقة كبيرة ويرفع الانبعاثات الكربونية، والصدمة أن 3% فقط من المنازل البريطانية تمتلك أجهزة تكييف أساساً.

أي أن بريطانيا وجدت نفسها فجأة في معركة لم تستعد لها لا مناخياً ولا عمرانياً.

فرنسا.. معركة سياسية بدرجات حرارة 40 مئوية

أما فرنسا، فدخلت المعركة من بوابة السياسة، درجات الحرارة تجاوزت 40 درجة مئوية، برج إيفل أُغلق، اللوفر تأثر

وآلاف المدارس تعطلت بسبب غياب التكييف أو ضعف التهوية.

هنا طالب اليمين الفرنسي بتركيب المكيفات في المدارس والمستشفيات ودور الرعاية فوراً، مبررا طلبه بأن تكلفة التبريد أقل كثيراً من تكلفة الكوارث الصحية والاقتصادية.

ويذكّر الجميع بموجة حر 2003 التي قتلت نحو 15 ألف شخص.

في المقابل، يرى اليسار أن التوسع في التكييف سيشعل فواتير الكهرباء ويضيف مليارات جديدة فوق أزمة الطاقة الحالية.

ويطرح بديلاً مختلفاً:

عزل المباني، توسيع المساحات الخضراء، وتغيير شكل المدن بدلاً من إغراقها بالمكيفات.

أوروبا أمام السؤال الأصعب

القارة التي صممت اقتصادها لعصر الشتاء، تواجه الآن واقعاً جديداً بالكامل، في الصيف تحتاج كهرباء هائلة لمواجهة الحر، وفي الشتاء تحتاج غازاً ضخماً للتدفئة.

أي أن أوروبا قد تتحول إلى مستهلك ضخم للطاقة طوال العام، وليس لموسم واحد فقط.

ومع اتجاه الاتحاد الأوروبي لحظر واردات الغاز الروسي المسال اعتباراً من العام المقبل، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً.

والسؤال لم يعد: كيف تواجه أوروبا الشتاء؟

بل: كيف ستعيش أوروبا في عالم أصبح أكثر حرارة.. وأكثر استهلاكاً للطاقة.. وأيضاً أكثر اضطراباً في الإمدادات؟

 

راديو أوريان 

قبل سنوات قليلة فقط، كانت أوروبا تدخل الشتاء وهي مطمئنة، حيث مخازن الغاز ممتلئة بأكثر من 90%، والأسواق مستقرة، والخطر الأكبر اسمه “البرد”.

لكن اليوم.. القارة العجوز تدخل أخطر مرحلة طاقة في تاريخها الحديث، المخزونات قد تبدأ الموسم عند 76% فقط، أدنى مستوى منذ أكثر من 15 عاماً، والسبب لا يتعلق بأوروبا وحدها، بل بعالم مشتعل حولها، إغلاق مضيق هرمز عطل جزءاً من إمدادات الغاز العالمية، والممر وحده يعبر منه نحو 20% من تجارة الغاز المسال عالمياً.

والنتيجة؟

تباطؤ إعادة ملء المخزونات، قفزات سعرية، وضباب كثيف يغطي مستقبل الطاقة الأوروبي.. لكن المفارقة الكبرى أن الأزمة لم تعد أزمة شتاء فقط.

الصيف الذي تحول إلى وحش كهربائي

لسنوات طويلة، كان الصيف متنفساً لشبكات الكهرباء الأوروبية.

استهلاك أقل، ضغط محدود، ومدن لا تحتاج إلى التكييف إلا نادراً.

الآن تغير كل شيء، موجات الحر القياسية دفعت ملايين الأوروبيين لتشغيل المكيفات بشكل غير مسبوق، قارة بُنيت تاريخياً لمقاومة البرد

أصبحت فجأة مطالبة بمقاومة الحر أيضاً، وهنا بدأت الصدمة.

المشكلة لم تعد في إنتاج الكهرباء فقط، بل في قدرة الشبكات على تحمل “الانفجار المفاجئ” في الطلب.

دول أوروبية اضطرت بالفعل لشراء كهرباء إضافية بأسعار مرتفعة لتجنب الانقطاع.

ومع التوسع في السيارات الكهربائية وأنظمة التدفئة والتبريد ومراكز البيانات، أصبحت الشبكات تحت ضغط دائم.

وبحسب تقديرات غولدمان ساكس، تحتاج أوروبا إلى نحو 3.5 تريليون دولار لتطوير شبكات الكهرباء استعداداً لعصر السيارات الكهربائية فقط، فما بالك بعصر “التكييف الجماعي” الذي بدأ فعلياً؟

بريطانيا.. مستشفيات تختنق وسكان يُجبرون على إزالة المكيفات

المشهد في بريطانيا بدا أقرب إلى المفارقة السوداء، موجة حر تاريخية تضرب البلاد، مستشفيات تواجه خطر تعطل أنظمة التبريد داخل غرف العمليات، وباحثون من جامعة برمنغهام يحذرون من احتمال إلغاء ما بين 1400 و4000 عملية جراحية خلال أيام قليلة فقط بسبب الحرارة.

وفي الوقت نفسه، بعض السكان طُلب منهم إزالة أجهزة التكييف من منازلهم.

والسبب؟

قرارات تخطيط عمراني تعتبر التكييف “خياراً أخيراً” لأنه يستهلك طاقة كبيرة ويرفع الانبعاثات الكربونية، والصدمة أن 3% فقط من المنازل البريطانية تمتلك أجهزة تكييف أساساً.

أي أن بريطانيا وجدت نفسها فجأة في معركة لم تستعد لها لا مناخياً ولا عمرانياً.

فرنسا.. معركة سياسية بدرجات حرارة 40 مئوية

أما فرنسا، فدخلت المعركة من بوابة السياسة، درجات الحرارة تجاوزت 40 درجة مئوية، برج إيفل أُغلق، اللوفر تأثر

وآلاف المدارس تعطلت بسبب غياب التكييف أو ضعف التهوية.

هنا طالب اليمين الفرنسي بتركيب المكيفات في المدارس والمستشفيات ودور الرعاية فوراً، مبررا طلبه بأن تكلفة التبريد أقل كثيراً من تكلفة الكوارث الصحية والاقتصادية.

ويذكّر الجميع بموجة حر 2003 التي قتلت نحو 15 ألف شخص.

في المقابل، يرى اليسار أن التوسع في التكييف سيشعل فواتير الكهرباء ويضيف مليارات جديدة فوق أزمة الطاقة الحالية.

ويطرح بديلاً مختلفاً:

عزل المباني، توسيع المساحات الخضراء، وتغيير شكل المدن بدلاً من إغراقها بالمكيفات.

أوروبا أمام السؤال الأصعب

القارة التي صممت اقتصادها لعصر الشتاء، تواجه الآن واقعاً جديداً بالكامل، في الصيف تحتاج كهرباء هائلة لمواجهة الحر، وفي الشتاء تحتاج غازاً ضخماً للتدفئة.

أي أن أوروبا قد تتحول إلى مستهلك ضخم للطاقة طوال العام، وليس لموسم واحد فقط.

ومع اتجاه الاتحاد الأوروبي لحظر واردات الغاز الروسي المسال اعتباراً من العام المقبل، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً.

والسؤال لم يعد: كيف تواجه أوروبا الشتاء؟

بل: كيف ستعيش أوروبا في عالم أصبح أكثر حرارة.. وأكثر استهلاكاً للطاقة.. وأيضاً أكثر اضطراباً في الإمدادات؟

 

من دفايات الشتاء إلى جحيم التكييف.. أوروبا عالقة في فخ المناخ