عماد السيد
لغز “الصاروخ”.. كيف قادت 10.4 ملايين كبسولة و33.4 كيلوغرام كوكايين إلى قلب شبكة تهريب مخدرات عابرة للحدود؟
وراء الشحنة شبكة.. ووراء الشبكة أموال.. فمن يقف في النهاية؟
25 موقوفاً و25 هارباً.. نصف الشبكة خلف القضبان والنصف الآخر في الظلام
10.4 ملايين كبسولة بريغابالين، 33.4 كيلوغرام من الكوكايين، 25 موقوفاً و25 آخرين هاربين.. أرقام ضخمة لا تبدو كحصيلة عملية ضبط عادية، بل كأجزاء من شبكة تهريب مخدرات عابرة للحدود بدأت الجزائر تفكك خيوطها منذ يناير الماضي.
لكن السؤال الأهم ليس: كم ضُبط من المخدرات؟
بل: من أين جاءت؟ وإلى أين كانت تتجه؟ ومن كان يمولها؟ ومن يقف في نهاية السلسلة؟
التحقيق الجزائري لم يتوقف عند شحنة «الصاروخ» أو الكوكايين، وإنما كشف، وفق المعطيات المعلنة، عن شبكة استخدمت مركبات مختلفة ومسارات متعددة، وامتدت عملياتها عبر خمس ولايات، بينما تبحث الأجهزة الأمنية عن 25 متهماً فاراً من جنسيات جزائرية ومغربية وهولندية.
وهنا تبدأ القصة الأخطر في ضبط شبكة تهريب مخدرات.
لأن ضبط المخدرات قد يسقط الشحنة، لكنه لا يسقط الشبكة بالضرورة. أما تتبع الأموال، فيمكن أن يقود إلى الممولين، وشركات الواجهة، ومسارات التحويل، وربما إلى الرأس الذي بقي بعيداً عن مسرح المداهمات.
فهل كانت شحنة الـ10.4 ملايين كبسولة مجرد حلقة في سوق أكبر؟ وهل يكشف الكوكايين المصاحب لها عن تنويع متعمد في مصادر الأرباح؟ وكيف تحولت الجزائر إلى نقطة تقاطع بين شبكات التهريب والتمويل والتوزيع؟ وما الذي يضيفه القانون 23-05 عندما تتحول القضية من حيازة وتهريب إلى جريمة منظمة عابرة للحدود؟
هذه ليست فقط قصة «الصاروخ».. إنها قصة مطاردة تبدأ بالمخدرات، ثم تنتقل إلى اللوجستيات، وبعدها إلى المال، وصولاً إلى السؤال الأصعب: من يقف في نهاية الخيط؟

الكوكايين
من «الصاروخ» إلى الكوكايين.. شبكة لا تبيع منتجاً واحداً
المضبوطات تكشف أن الشبكة لم تعتمد على مادة واحدة.
البريغابالين، وهو دواء طبي يخضع للرقابة ويمكن إساءة استخدامه، جاء بالحجم الأكبر، بينما أضيف إليه الكوكايين كمنتج عالي القيمة.
والأهم أن السلطات قالت إن الشحنات كانت تتحرك عبر شبكة نقل معقدة، بينها شاحنة صهريج، بينما امتدت العمليات الأمنية إلى وهران وتيزي وزو والجزائر العاصمة والبليدة وتيبازة. (
هذه الخريطة تعني أن الشبكة، بحسب ما أعلنته السلطات، لم تكن مجرد مجموعة تنقل شحنة من نقطة إلى أخرى؛ بل امتلكت قدرة على التخزين والنقل والتوزيع وإدارة الأموال.

شاحنة صهريج أسمنت
شاحنة الإسمنت.. لماذا أصبح التمويه جزءاً من المعركة؟
من أبرز ما ورد في تفاصيل القضية استخدام صهريج شاحنة لنقل المواد، مع وجود مخابئ داخل وسيلة النقل.
لكن هنا يجب الفصل بين ما أعلنته السلطات رسمياً وما أضيف في بعض الروايات الإعلامية: البيانات المتاحة تؤكد ضبط شاحنة صهريج، لكنها لا توفر توثيقاً مستقلاً لكل التفاصيل التقنية المتداولة عن تصميم التجاويف أو كيفية تجاوز أجهزة الكشف.
وهذا التفصيل مهم؛ لأن قوة القضية ليست في “حيلة سينمائية”، وإنما في أن الشبكة احتاجت إلى بنية لوجستية متخصصة لإخفاء كميات ضخمة وتحريكها.

الدولار الأمريكي
النقطة الأخطر: المال بعد المخدرات
هنا يدخل غسيل الأموال إلى قلب التحقيق.
السلطات الجزائرية قالت إن أشخاصاً في دبي كانوا مرتبطين بإدارة وتحويل الأموال، بينما أشارت إلى وجود عناصر أخرى في فرنسا.
لكن لا يوجد في المصادر المتاحة ما يكفي لإثبات أن شركات محددة في دبي كانت واجهات لهذه الشبكة؛ لذلك لا يصح تقديم سيناريوهات الفواتير الوهمية أو العقارات أو العملات الرقمية كوقائع ثابتة في القضية الحالية.
ما يمكن قوله بثقة هو أن ضبط أكثر من 1.5 مليار سنتيم من العائدات الإجرامية نقل التحقيق من سؤال «أين المخدرات؟» إلى سؤال أكبر: أين تذهب الأموال؟ ومن يسيطر عليها؟
وهنا يظهر القانون 23-05
التصحيح المهم: القانون 23-05 صدر في 7 مايو 2023، وليس 7 أبريل، وهو يعدّل القانون 04-18 الخاص بالوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية وقمع استعمالها والاتجار غير المشروع بها.
القانون يفرق بوضوح بين المستهلك وبين شبكة الاتجار، فالاستهلاك الشخصي يعاقب عليه بالحبس من شهرين إلى سنتين وغرامة من 20 ألفاً إلى 50 ألف دينار، مع مساحة أكبر للعلاج وإعادة التأهيل.
وفي المقابل، فإن الإنتاج والبيع والتوزيع والنقل والاتجار يعاقب عليها أساساً بالسجن من 10 إلى 20 سنة وغرامة من 5 إلى 50 مليون دينار.
والأهم: إذا ارتكبت الأفعال بواسطة عصابة إجرامية منظمة، تصل العقوبة إلى السجن المؤبد.
وهنا تتغير التحقيقات جذرياً: القضية لم تعد عن «حيازة كمية»، بل عن إثبات التنظيم، الأدوار، التمويل، والشركاء في شبكة تهريب مخدرات.

قوات أمن الجزائر
لماذا هذا يهم الجزائر؟
لأن التحقيق الجزائري يمتلك الآن ثلاثة خيوط متوازية:
المخدرات 10.4 :ملايين كبسولة و33.4 كغ كوكايين.
اللوجستيات: 19 :مركبة وثلاث دراجات وشبكة توزيع في عدة ولايات.
المال: أكثر من 1.5 مليار سنتيم مضبوطة، مع اتهامات بوجود امتدادات خارجية لإدارة العائدات.
والقانون 23-05 يمنح الجزائر أيضاً إمكانية اللجوء إلى المساعدة القضائية الدولية في التحقيقات المتعلقة بهذه الجرائم، وفق الاتفاقيات الدولية ومبدأ المعاملة بالمثل.
الضربة الحقيقية ليست في الـ10 ملايين كبسولة
القيمة الاستراتيجية للعملية لا تكمن فقط في كمية «الصاروخ» والكوكايين المصادرة من شبكة تهريب مخدرات.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الضبط.
هل تستطيع التحقيقات تحديد من موّل الشحنات؟ من استلم الأموال؟ من وفر المركبات؟ من نسّق عبر الحدود؟ وهل تقود الخيوط المالية إلى الرؤوس الموجودة خارج الجزائر؟
إذا حدث ذلك، تتحول العملية من أكبر ضبطية مخدرات إلى شيء أكبر بكثير: تفكيك البنية الاقتصادية لشبكة تهريب مخدرات.
وهنا تحديداً يصبح غسيل الأموال أهم من المخدر نفسه؛ لأن المخدر يمكن مصادرته مرة واحدة، لكن تجفيف المال هو ما يمكن أن يمنع الشبكة من إعادة بناء نفسها.
عماد السيد
لغز “الصاروخ”.. كيف قادت 10.4 ملايين كبسولة و33.4 كيلوغرام كوكايين إلى قلب شبكة تهريب مخدرات عابرة للحدود؟
وراء الشحنة شبكة.. ووراء الشبكة أموال.. فمن يقف في النهاية؟
25 موقوفاً و25 هارباً.. نصف الشبكة خلف القضبان والنصف الآخر في الظلام
10.4 ملايين كبسولة بريغابالين، 33.4 كيلوغرام من الكوكايين، 25 موقوفاً و25 آخرين هاربين.. أرقام ضخمة لا تبدو كحصيلة عملية ضبط عادية، بل كأجزاء من شبكة تهريب مخدرات عابرة للحدود بدأت الجزائر تفكك خيوطها منذ يناير الماضي.
لكن السؤال الأهم ليس: كم ضُبط من المخدرات؟
بل: من أين جاءت؟ وإلى أين كانت تتجه؟ ومن كان يمولها؟ ومن يقف في نهاية السلسلة؟
التحقيق الجزائري لم يتوقف عند شحنة «الصاروخ» أو الكوكايين، وإنما كشف، وفق المعطيات المعلنة، عن شبكة استخدمت مركبات مختلفة ومسارات متعددة، وامتدت عملياتها عبر خمس ولايات، بينما تبحث الأجهزة الأمنية عن 25 متهماً فاراً من جنسيات جزائرية ومغربية وهولندية.
وهنا تبدأ القصة الأخطر في ضبط شبكة تهريب مخدرات.
لأن ضبط المخدرات قد يسقط الشحنة، لكنه لا يسقط الشبكة بالضرورة. أما تتبع الأموال، فيمكن أن يقود إلى الممولين، وشركات الواجهة، ومسارات التحويل، وربما إلى الرأس الذي بقي بعيداً عن مسرح المداهمات.
فهل كانت شحنة الـ10.4 ملايين كبسولة مجرد حلقة في سوق أكبر؟ وهل يكشف الكوكايين المصاحب لها عن تنويع متعمد في مصادر الأرباح؟ وكيف تحولت الجزائر إلى نقطة تقاطع بين شبكات التهريب والتمويل والتوزيع؟ وما الذي يضيفه القانون 23-05 عندما تتحول القضية من حيازة وتهريب إلى جريمة منظمة عابرة للحدود؟
هذه ليست فقط قصة «الصاروخ».. إنها قصة مطاردة تبدأ بالمخدرات، ثم تنتقل إلى اللوجستيات، وبعدها إلى المال، وصولاً إلى السؤال الأصعب: من يقف في نهاية الخيط؟

الكوكايين
من «الصاروخ» إلى الكوكايين.. شبكة لا تبيع منتجاً واحداً
المضبوطات تكشف أن الشبكة لم تعتمد على مادة واحدة.
البريغابالين، وهو دواء طبي يخضع للرقابة ويمكن إساءة استخدامه، جاء بالحجم الأكبر، بينما أضيف إليه الكوكايين كمنتج عالي القيمة.
والأهم أن السلطات قالت إن الشحنات كانت تتحرك عبر شبكة نقل معقدة، بينها شاحنة صهريج، بينما امتدت العمليات الأمنية إلى وهران وتيزي وزو والجزائر العاصمة والبليدة وتيبازة. (
هذه الخريطة تعني أن الشبكة، بحسب ما أعلنته السلطات، لم تكن مجرد مجموعة تنقل شحنة من نقطة إلى أخرى؛ بل امتلكت قدرة على التخزين والنقل والتوزيع وإدارة الأموال.

شاحنة صهريج أسمنت
شاحنة الإسمنت.. لماذا أصبح التمويه جزءاً من المعركة؟
من أبرز ما ورد في تفاصيل القضية استخدام صهريج شاحنة لنقل المواد، مع وجود مخابئ داخل وسيلة النقل.
لكن هنا يجب الفصل بين ما أعلنته السلطات رسمياً وما أضيف في بعض الروايات الإعلامية: البيانات المتاحة تؤكد ضبط شاحنة صهريج، لكنها لا توفر توثيقاً مستقلاً لكل التفاصيل التقنية المتداولة عن تصميم التجاويف أو كيفية تجاوز أجهزة الكشف.
وهذا التفصيل مهم؛ لأن قوة القضية ليست في “حيلة سينمائية”، وإنما في أن الشبكة احتاجت إلى بنية لوجستية متخصصة لإخفاء كميات ضخمة وتحريكها.

الدولار الأمريكي
النقطة الأخطر: المال بعد المخدرات
هنا يدخل غسيل الأموال إلى قلب التحقيق.
السلطات الجزائرية قالت إن أشخاصاً في دبي كانوا مرتبطين بإدارة وتحويل الأموال، بينما أشارت إلى وجود عناصر أخرى في فرنسا.
لكن لا يوجد في المصادر المتاحة ما يكفي لإثبات أن شركات محددة في دبي كانت واجهات لهذه الشبكة؛ لذلك لا يصح تقديم سيناريوهات الفواتير الوهمية أو العقارات أو العملات الرقمية كوقائع ثابتة في القضية الحالية.
ما يمكن قوله بثقة هو أن ضبط أكثر من 1.5 مليار سنتيم من العائدات الإجرامية نقل التحقيق من سؤال «أين المخدرات؟» إلى سؤال أكبر: أين تذهب الأموال؟ ومن يسيطر عليها؟
وهنا يظهر القانون 23-05
التصحيح المهم: القانون 23-05 صدر في 7 مايو 2023، وليس 7 أبريل، وهو يعدّل القانون 04-18 الخاص بالوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية وقمع استعمالها والاتجار غير المشروع بها.
القانون يفرق بوضوح بين المستهلك وبين شبكة الاتجار، فالاستهلاك الشخصي يعاقب عليه بالحبس من شهرين إلى سنتين وغرامة من 20 ألفاً إلى 50 ألف دينار، مع مساحة أكبر للعلاج وإعادة التأهيل.
وفي المقابل، فإن الإنتاج والبيع والتوزيع والنقل والاتجار يعاقب عليها أساساً بالسجن من 10 إلى 20 سنة وغرامة من 5 إلى 50 مليون دينار.
والأهم: إذا ارتكبت الأفعال بواسطة عصابة إجرامية منظمة، تصل العقوبة إلى السجن المؤبد.
وهنا تتغير التحقيقات جذرياً: القضية لم تعد عن «حيازة كمية»، بل عن إثبات التنظيم، الأدوار، التمويل، والشركاء في شبكة تهريب مخدرات.

قوات أمن الجزائر
لماذا هذا يهم الجزائر؟
لأن التحقيق الجزائري يمتلك الآن ثلاثة خيوط متوازية:
المخدرات 10.4 :ملايين كبسولة و33.4 كغ كوكايين.
اللوجستيات: 19 :مركبة وثلاث دراجات وشبكة توزيع في عدة ولايات.
المال: أكثر من 1.5 مليار سنتيم مضبوطة، مع اتهامات بوجود امتدادات خارجية لإدارة العائدات.
والقانون 23-05 يمنح الجزائر أيضاً إمكانية اللجوء إلى المساعدة القضائية الدولية في التحقيقات المتعلقة بهذه الجرائم، وفق الاتفاقيات الدولية ومبدأ المعاملة بالمثل.
الضربة الحقيقية ليست في الـ10 ملايين كبسولة
القيمة الاستراتيجية للعملية لا تكمن فقط في كمية «الصاروخ» والكوكايين المصادرة من شبكة تهريب مخدرات.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الضبط.
هل تستطيع التحقيقات تحديد من موّل الشحنات؟ من استلم الأموال؟ من وفر المركبات؟ من نسّق عبر الحدود؟ وهل تقود الخيوط المالية إلى الرؤوس الموجودة خارج الجزائر؟
إذا حدث ذلك، تتحول العملية من أكبر ضبطية مخدرات إلى شيء أكبر بكثير: تفكيك البنية الاقتصادية لشبكة تهريب مخدرات.
وهنا تحديداً يصبح غسيل الأموال أهم من المخدر نفسه؛ لأن المخدر يمكن مصادرته مرة واحدة، لكن تجفيف المال هو ما يمكن أن يمنع الشبكة من إعادة بناء نفسها.





