راديو أوريان
شبحٌ السترات الصفراء ظنّ قصر الإليزيه أنه أصبح جزءًا من الماضي، لكنه يعود ليطلّ على فرنسا في توقيت بالغ الحساسية.
بعد ثماني سنوات من انفجار احتجاجات «السترات الصفراء»، تتكاثر الدعوات على منصات التواصل الاجتماعي لإخراج السترات من السيارات والعودة بها إلى الشوارع، بينما يبرز تاريخ 17 أكتوبر 2026 موعدًا محتملًا لاختبار حجم الغضب الفرنسي.
حتى الآن، لا يمكن الحديث عن عودة «السترات الصفراء» بالقوة نفسها التي هزت فرنسا في 2018، لكن إشارات التحذير تتراكم.
دعوات إلكترونية إلى التظاهر، تحركات محدودة على الأرض، وعودة الشعارات القديمة المتعلقة بالوقود والضرائب والقدرة الشرائية، في وقت أصبحت فيه الظروف الاقتصادية أكثر قسوة بالنسبة إلى قطاعات من الفرنسيين.

احتجاجات السترات الصفراء
الشرارة القديمة تعود من بوابة الوقود
المفارقة أن الوقود الذي أشعل الاحتجاجات قبل ثماني سنوات يعود مرة أخرى إلى قلب المشهد.
انطلقت حركة «السترات الصفراء» في نوفمبر 2018 أساسًا احتجاجًا على ارتفاع أسعار المحروقات والضرائب المرتبطة بها، قبل أن تتحول سريعًا إلى حركة احتجاج أوسع ضد تراجع القدرة الشرائية والسياسات الاقتصادية وشعور قطاعات من الطبقات الوسطى والريفية بالتهميش.
في سبتمبر 2026، أصبحت الأسعار أعلى بكثير. ووفق بيانات نقلتها TF1، بلغ متوسط سعر لتر البنزين نحو 2.07 يورو، والديزل 2.23 يورو في 9 سبتمبر، مقارنة بنحو 1.50 و1.51 يورو على الترتيب عند انطلاق الاحتجاجات في 2018.
الفارق هذه المرة أن ارتفاع الطاقة مرتبط بدرجة كبيرة بالأزمة الدولية واضطرابات الإمدادات، ما يجعل توجيه الغضب السياسي أكثر تعقيدًا.

احتجاجات السترات الصفراء
لماذا يعود الشبح الآن؟
الوقود ليس سوى الجزء الأكثر ظهورًا من الأزمة. الفرنسيون يواجهون ضغوطًا متزامنة من ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء وضعف القدرة الشرائية، بينما تخفض الأسر إنفاقها وسط حالة من القلق الاقتصادي.
وأظهر استطلاع أجرته «كوفيديس» في سبتمبر أن أكثر من نصف الفرنسيين يتوقعون مزيدًا من التراجع في قدرتهم الشرائية.
وتأتي هذه الضغوط بينما تبدو خزينة الدولة أقل قدرة على امتصاص الصدمات. خفضت الحكومة توقعاتها لنمو الاقتصاد الفرنسي خلال 2026 من 0.7% إلى 0.5%، بينما تشير تقديرات المعهد الوطني للإحصاء إلى نمو أضعف عند 0.4%.
وفي الوقت نفسه، تتصاعد تكلفة خدمة الدين، ما يضيّق هامش المناورة أمام الحكومة.
وهنا تكمن الوصفة السياسية الأخطر: مواطن يريد حماية أكبر من الدولة، وحكومة تبحث عن عشرات المليارات من اليوروهات لضبط ماليتها العامة.

احتجاجات السترات الصفراء
17 أكتوبر.. الموعد الذي يراقبه الجميع
بدأت ملصقات ودعوات تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي مطالبة أنصار «السترات الصفراء» بالنزول مجددًا في 17 أكتوبر 2026. وشاركت حسابات يتابعها عدد كبير من المستخدمين، بينها حسابات مرتبطة بأعضاء سابقين في الحركة، هذه الدعوات.
لكن من الضروري التمييز بين التعبئة الرقمية والاحتجاج الجماهيري. فحتى 11 سبتمبر، أفادت TF1 بأنه لم تكن هناك مظاهرة مرتبطة بدعوة 17 أكتوبر حصلت على ترخيص من السلطات المحلية.
ومع ذلك، لم تختفِ الحركة تمامًا من الشارع. ففي 12 سبتمبر نُظمت مسيرة للسترات الصفراء في باريس انطلقت من ساحة جوسيو، ورفعت مطالب تتعلق بمراجعة المالية العامة والضرائب وزيادة الأجور والمعاشات وتوسيع الديمقراطية المباشرة.
من يقف وراء «السترات الصفراء»؟
هنا تكمن إحدى أهم خصائص الظاهرة: لا يوجد «زعيم» واحد يمكن وصفه بأنه يقف وراء الحركة.
منذ بدايتها، تشكلت «السترات الصفراء» بوصفها حركة شعبية لامركزية، استفادت من شبكات التواصل الاجتماعي ومن مجموعات محلية ووجوه متعددة أكثر مما اعتمدت على قيادة حزبية أو نقابية تقليدية.
ولهذا السبب، فإن عودة الدعوات الحالية لا تعني أن هناك تنظيمًا مركزيًا واحدًا يدير المشهد.
الدعوات الجديدة يجري تداولها عبر شبكات وحسابات مختلفة، ومن بينها شخصيات شاركت في الموجة الأصلية. وهو ما يجعل السؤال الحقيقي ليس «من يحرك السترات الصفراء؟»، وإنما: هل تستطيع هذه الشبكات المتفرقة تحويل الغضب الرقمي إلى كتلة احتجاجية ضخمة في الشارع؟

احتجاجات السترات الصفراء
لماذا يخيف الشبح السلطة؟
لأن أزمة 2018 أثبتت أن الشرارة الصغيرة تستطيع أن تتجاوز السبب الذي أشعلها. بدأت الاحتجاجات برفض أسعار الوقود، ثم تحولت إلى أزمة اجتماعية وسياسية كبرى، وبلغ عدد المشاركين في أول يوم تعبئة للحركة أكثر من 280 ألف شخص وفق أرقام وزارة الداخلية الفرنسية.
الخطر بالنسبة إلى السلطة اليوم أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية تتقاطع مع مأزق سياسي أكثر تعقيدًا. الحكومة لا تمتلك أغلبية برلمانية مستقرة، ومشروع موازنة 2027 يُعد وسط ضغوط مالية حادة، بينما تستعد البلاد للانتخابات الرئاسية في ربيع 2027.
وتشير المعطيات الحكومية إلى صعوبة تحقيق أهداف خفض العجز، فيما بلغت تكلفة خدمة الدين نحو 65 مليار يورو، لتصبح واحدة من أكبر بنود الإنفاق.
وفي الوقت نفسه، تحتاج الدولة إلى تمويل الدفاع والصحة والتقاعد والتحول البيئي، بينما تبدو خيارات زيادة الضرائب أو إجراء تخفيضات قاسية في الإنفاق شديدة الخطورة سياسيًا.
هل نشهد «سترات صفراء 2»؟
المؤشرات المتاحة تكشف عودة الرمز والخطاب ومحاولات التعبئة أكثر مما تثبت ولادة موجة احتجاجية تضاهي 2018. بل إن جيريمي كليمان، أحد الوجوه السابقة للحركة، يستبعد تكرار الظاهرة بالصورة نفسها، معتبرًا أن جزءًا من الفرنسيين أصبح منهكًا اقتصاديًا واجتماعيًا إلى درجة تحد حتى من قدرته على الاحتجاج.
لكن هذا تحديدًا ما يجعل الأسابيع المقبلة حساسة. فالسترات الصفراء لم تولد في 2018 داخل حزب أو نقابة كبرى، بل خرجت من غضب متناثر التقى فجأة حول رمز واحد ومطلب واحد، قبل أن يتسع إلى عشرات المطالب.
ثماني سنوات مرت، وتغيرت فرنسا كثيرًا. لكن الوقود غالٍ، والقدرة الشرائية تحت الضغط، والحكومة محاصرة ماليًا وسياسيًا، وشبكات التواصل تعيد تداول السترة الصفراء باعتبارها رمزًا للغضب.
لذلك، قد لا يكون السؤال في باريس الآن: هل عادت «السترات الصفراء» بالفعل؟
بل: كم شرارة تفصل فرنسا عن عودتها؟
راديو أوريان
شبحٌ السترات الصفراء ظنّ قصر الإليزيه أنه أصبح جزءًا من الماضي، لكنه يعود ليطلّ على فرنسا في توقيت بالغ الحساسية.
بعد ثماني سنوات من انفجار احتجاجات «السترات الصفراء»، تتكاثر الدعوات على منصات التواصل الاجتماعي لإخراج السترات من السيارات والعودة بها إلى الشوارع، بينما يبرز تاريخ 17 أكتوبر 2026 موعدًا محتملًا لاختبار حجم الغضب الفرنسي.
حتى الآن، لا يمكن الحديث عن عودة «السترات الصفراء» بالقوة نفسها التي هزت فرنسا في 2018، لكن إشارات التحذير تتراكم.
دعوات إلكترونية إلى التظاهر، تحركات محدودة على الأرض، وعودة الشعارات القديمة المتعلقة بالوقود والضرائب والقدرة الشرائية، في وقت أصبحت فيه الظروف الاقتصادية أكثر قسوة بالنسبة إلى قطاعات من الفرنسيين.

احتجاجات السترات الصفراء
الشرارة القديمة تعود من بوابة الوقود
المفارقة أن الوقود الذي أشعل الاحتجاجات قبل ثماني سنوات يعود مرة أخرى إلى قلب المشهد.
انطلقت حركة «السترات الصفراء» في نوفمبر 2018 أساسًا احتجاجًا على ارتفاع أسعار المحروقات والضرائب المرتبطة بها، قبل أن تتحول سريعًا إلى حركة احتجاج أوسع ضد تراجع القدرة الشرائية والسياسات الاقتصادية وشعور قطاعات من الطبقات الوسطى والريفية بالتهميش.
في سبتمبر 2026، أصبحت الأسعار أعلى بكثير. ووفق بيانات نقلتها TF1، بلغ متوسط سعر لتر البنزين نحو 2.07 يورو، والديزل 2.23 يورو في 9 سبتمبر، مقارنة بنحو 1.50 و1.51 يورو على الترتيب عند انطلاق الاحتجاجات في 2018.
الفارق هذه المرة أن ارتفاع الطاقة مرتبط بدرجة كبيرة بالأزمة الدولية واضطرابات الإمدادات، ما يجعل توجيه الغضب السياسي أكثر تعقيدًا.

احتجاجات السترات الصفراء
لماذا يعود الشبح الآن؟
الوقود ليس سوى الجزء الأكثر ظهورًا من الأزمة. الفرنسيون يواجهون ضغوطًا متزامنة من ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء وضعف القدرة الشرائية، بينما تخفض الأسر إنفاقها وسط حالة من القلق الاقتصادي.
وأظهر استطلاع أجرته «كوفيديس» في سبتمبر أن أكثر من نصف الفرنسيين يتوقعون مزيدًا من التراجع في قدرتهم الشرائية.
وتأتي هذه الضغوط بينما تبدو خزينة الدولة أقل قدرة على امتصاص الصدمات. خفضت الحكومة توقعاتها لنمو الاقتصاد الفرنسي خلال 2026 من 0.7% إلى 0.5%، بينما تشير تقديرات المعهد الوطني للإحصاء إلى نمو أضعف عند 0.4%.
وفي الوقت نفسه، تتصاعد تكلفة خدمة الدين، ما يضيّق هامش المناورة أمام الحكومة.
وهنا تكمن الوصفة السياسية الأخطر: مواطن يريد حماية أكبر من الدولة، وحكومة تبحث عن عشرات المليارات من اليوروهات لضبط ماليتها العامة.

احتجاجات السترات الصفراء
17 أكتوبر.. الموعد الذي يراقبه الجميع
بدأت ملصقات ودعوات تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي مطالبة أنصار «السترات الصفراء» بالنزول مجددًا في 17 أكتوبر 2026. وشاركت حسابات يتابعها عدد كبير من المستخدمين، بينها حسابات مرتبطة بأعضاء سابقين في الحركة، هذه الدعوات.
لكن من الضروري التمييز بين التعبئة الرقمية والاحتجاج الجماهيري. فحتى 11 سبتمبر، أفادت TF1 بأنه لم تكن هناك مظاهرة مرتبطة بدعوة 17 أكتوبر حصلت على ترخيص من السلطات المحلية.
ومع ذلك، لم تختفِ الحركة تمامًا من الشارع. ففي 12 سبتمبر نُظمت مسيرة للسترات الصفراء في باريس انطلقت من ساحة جوسيو، ورفعت مطالب تتعلق بمراجعة المالية العامة والضرائب وزيادة الأجور والمعاشات وتوسيع الديمقراطية المباشرة.
من يقف وراء «السترات الصفراء»؟
هنا تكمن إحدى أهم خصائص الظاهرة: لا يوجد «زعيم» واحد يمكن وصفه بأنه يقف وراء الحركة.
منذ بدايتها، تشكلت «السترات الصفراء» بوصفها حركة شعبية لامركزية، استفادت من شبكات التواصل الاجتماعي ومن مجموعات محلية ووجوه متعددة أكثر مما اعتمدت على قيادة حزبية أو نقابية تقليدية.
ولهذا السبب، فإن عودة الدعوات الحالية لا تعني أن هناك تنظيمًا مركزيًا واحدًا يدير المشهد.
الدعوات الجديدة يجري تداولها عبر شبكات وحسابات مختلفة، ومن بينها شخصيات شاركت في الموجة الأصلية. وهو ما يجعل السؤال الحقيقي ليس «من يحرك السترات الصفراء؟»، وإنما: هل تستطيع هذه الشبكات المتفرقة تحويل الغضب الرقمي إلى كتلة احتجاجية ضخمة في الشارع؟

احتجاجات السترات الصفراء
لماذا يخيف الشبح السلطة؟
لأن أزمة 2018 أثبتت أن الشرارة الصغيرة تستطيع أن تتجاوز السبب الذي أشعلها. بدأت الاحتجاجات برفض أسعار الوقود، ثم تحولت إلى أزمة اجتماعية وسياسية كبرى، وبلغ عدد المشاركين في أول يوم تعبئة للحركة أكثر من 280 ألف شخص وفق أرقام وزارة الداخلية الفرنسية.
الخطر بالنسبة إلى السلطة اليوم أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية تتقاطع مع مأزق سياسي أكثر تعقيدًا. الحكومة لا تمتلك أغلبية برلمانية مستقرة، ومشروع موازنة 2027 يُعد وسط ضغوط مالية حادة، بينما تستعد البلاد للانتخابات الرئاسية في ربيع 2027.
وتشير المعطيات الحكومية إلى صعوبة تحقيق أهداف خفض العجز، فيما بلغت تكلفة خدمة الدين نحو 65 مليار يورو، لتصبح واحدة من أكبر بنود الإنفاق.
وفي الوقت نفسه، تحتاج الدولة إلى تمويل الدفاع والصحة والتقاعد والتحول البيئي، بينما تبدو خيارات زيادة الضرائب أو إجراء تخفيضات قاسية في الإنفاق شديدة الخطورة سياسيًا.
هل نشهد «سترات صفراء 2»؟
المؤشرات المتاحة تكشف عودة الرمز والخطاب ومحاولات التعبئة أكثر مما تثبت ولادة موجة احتجاجية تضاهي 2018. بل إن جيريمي كليمان، أحد الوجوه السابقة للحركة، يستبعد تكرار الظاهرة بالصورة نفسها، معتبرًا أن جزءًا من الفرنسيين أصبح منهكًا اقتصاديًا واجتماعيًا إلى درجة تحد حتى من قدرته على الاحتجاج.
لكن هذا تحديدًا ما يجعل الأسابيع المقبلة حساسة. فالسترات الصفراء لم تولد في 2018 داخل حزب أو نقابة كبرى، بل خرجت من غضب متناثر التقى فجأة حول رمز واحد ومطلب واحد، قبل أن يتسع إلى عشرات المطالب.
ثماني سنوات مرت، وتغيرت فرنسا كثيرًا. لكن الوقود غالٍ، والقدرة الشرائية تحت الضغط، والحكومة محاصرة ماليًا وسياسيًا، وشبكات التواصل تعيد تداول السترة الصفراء باعتبارها رمزًا للغضب.
لذلك، قد لا يكون السؤال في باريس الآن: هل عادت «السترات الصفراء» بالفعل؟
بل: كم شرارة تفصل فرنسا عن عودتها؟






