• أكتوبر 28, 2026
  • أكتوبر 28, 2026

عماد السيد

مصادقة البرلمان الليبي على مذكرة ترسيم الحدود البحرية مع تركيا لا تعيد اتفاق 2019 إلى الواجهة فحسب، بل تفتح معركة جديدة على خرائط النفوذ وحقول الغاز وممرات الطاقة في شرق المتوسط.

والأخطر أن التحول يأتي من شرق ليبيا، الذي رفض الاتفاق لسنوات، فيما تواجه القاهرة عرضاً تركياً بمكاسب بحرية محتملة، وتبحث أثينا عن تحصين موقفها قانونياً، وتجد باريس نفسها أمام اختبار صعب في مشروع الربط الكهربائي مع قبرص واليونان.

البرلمان الليبي

البرلمان الليبي

انقلاب في الموقف الليبي.. لماذا الآن؟

في 20 أكتوبر 2026، صادق مجلس النواب الليبي في بنغازي بالإجماع على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني عام 2019، متراجعاً عن قرارات سابقة برفض الاتفاق ومقاطعة أنقرة.

التحول هنا يتجاوز التصويت نفسه، فالاتفاق الذي كان موضع خلاف بين مؤسسات الشرق والغرب الليبيين أصبح مدخلاً محتملاً لتقارب جديد، يوسّع النفوذ التركي ويعيد ترتيب حسابات القوى المتنافسة على مستقبل ليبيا.

أنقرة تكسب دعماً سياسياً من مؤسسة كانت تعارض الاتفاق، بينما يقدّم مؤيدوه الخطوة باعتبارها دفاعاً عن الحقوق البحرية الليبية. لكن المصادقة البرلمانية لا تنهي النزاع الدولي، ولا تجعل المطالبات البحرية المتعارضة حقيقة قانونية محسومة.

والسؤال الأهم: هل تتحول المصالحة البحرية إلى نفوذ اقتصادي فعلي، أم تصبح بداية مواجهة دبلوماسية أوسع؟

شرق المتوسط

حقل ظهر المصري في شرق المتوسط 

مصر أمام معادلة صعبة.. مكاسب على الخريطة

أم مخاطر على السيادة؟

رفضت القاهرة الاتفاق، معتبرة أنه يمس حقوقها السيادية في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري، ولا يمكن أن يرتب آثاراً قانونية في مواجهتها من دون أساس قانوني مقبول.

وتكمن حساسية النزاع في أن خطوط الترسيم المقترحة تتقاطع مع مطالبات بحرية متنافسة، وتؤثر في حسابات الاتصال البحري بين مصر واليونان وقبرص.

لكن أنقرة تطرح ورقة مضادة: وزير الدفاع التركي يشار غولر تحدث في 24 أكتوبر عن استعداد بلاده للتفاوض مع مصر على ترسيم المناطق البحرية، مشيراً إلى إمكانية حصول القاهرة على نحو 15 ألف كيلومتر مربع إضافية مقارنة بترتيب محتمل مع اليونان.

هذه مساحة معروضة في سياق حجة تفاوضية تركية، وليست مكسباً مصرياً متحققاً أو رقماً محسومًا بموجب اتفاق قائم.

هنا جوهر المناورة التركية: تحويل النزاع من مواجهة بين أنقرة ومحور القاهرة وأثينا ونيقوسيا إلى اختبار للمصالح المصرية، عبر إغراء جغرافي قد يضغط على التحالفات القائمة.

لكن القاهرة لا تقيس المسألة بالمساحة وحدها؛ فأساس الترسيم، واستقرار الحقوق البحرية، وعلاقاتها الإقليمية، كلها عوامل تحدد كلفة أي تفاهم محتمل.

منصات استخراج الغاز في شرق المتوسط

منصات استخراج الغاز في شرق المتوسط

اليونان تتحرك قانونياً.. هل تستطيع تغيير الخريطة؟

أثينا لا تكتفي بإعلان رفضها؛ بل تعمل مع القاهرة على توسيع اتفاق ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة الموقع عام 2020 شرقاً باتجاه قبرص، مستندة إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.

وتقول اليونان إن المذكرة التركية الليبية تتجاهل الحقوق البحرية للجزر اليونانية، وإن غياب السواحل المتقابلة أو المتجاورة بين تركيا وليبيا يثير اعتراضات قانونية جوهرية.

لكن النزاع في شرق المتوسط ليس محسومًا بمجرد تبادل التصريحات؛ فالتحدي الحقيقي هو تحويل الاعتراضات إلى مسار قانوني ودبلوماسي قادر على حماية المطالبات البحرية، من دون الانزلاق إلى مواجهة ميدانية.

كابل كهرباء بحري

فرنسا في قلب المواجهة.. مشروع كهرباء مهدد

المحور الفرنسي: اختبار النفوذ الأوروبي في شرق المتوسط

المعركة لا تدور حول الغاز وحده. فمشروع الربط الكهربائي البحري الكبير (GSI)، الذي يستهدف ربط قبرص باليونان، أصبح اختباراً لقدرة أوروبا على تنفيذ بنية تحتية استراتيجية في منطقة تتنازعها المطالبات البحرية.

الشركة الفرنسية “نيكسان” تتولى أعمال الكابل، فيما استحوذت مجموعة الاستثمار الفرنسية “ميريديام” على حصة أغلبية في شركة المشروع.

لكن استئناف المسوحات البحرية يواجه تعقيدات سياسية، وسط اعتراضات تركية على أنشطة بحرية في المنطقة.

والأرقام تكشف حجم المأزق: فقد أُرجئ موعد الإنجاز المتوقع إلى 1 يناير 2031، بعدما كان مستهدفاً في يناير 2030، فيما تجاوزت التكلفة التقديرية حاجز 1.9 مليار يورو، مع بقاء الكلفة النهائية غير محسومة.

كما أشارت “نيكسان” إلى احتمال عدم استئناف الإنتاج المرتبط بالمشروع قبل 2028.

قبرص تتمسك باستمرار المشروع، بينما تواجه باريس معادلة دقيقة: الضغط لاستئناف المسوحات، والتنسيق مع أثينا ونيقوسيا، وتفادي مواجهة بحرية مباشرة مع تركيا.

الخطر الفرنسي ليس التأخير وحده؛ بل أن تتحول كلفة المشروع إلى اختبار لمصداقية الاتحاد الأوروبي في حماية استثماراته الاستراتيجية.

شرق المتوسط

سفينة حفر بحرية تعمل في شرق المتوسط 

هل تمتد الأزمة إلى الشركات الأمريكية وحقول الغاز؟

حتى الآن، لا يعني التصويت الليبي تلقائياً تعطيل عقود التنقيب البرية لشركة “شيفرون” في حوض سرت؛ فهذه العمليات تختلف جغرافياً وتشغيلياً عن النزاع البحري.

لكن الخطر غير المباشر يرتفع إذا امتد التوتر إلى استقرار المؤسسات الليبية أو ترتيبات الاستثمار والطاقة.

وفي البحر، يمكن أن يؤدي استمرار النزاع إلى تأخير المسوحات والتراخيص، ورفع مخاطر الاستثمار في مشروعات الغاز والكابلات البحرية.

غاز طبيعي

غاز طبيعي

 

من يربح معركة شرق المتوسط؟

ثمة ثلاثة مسارات محتملة:

تصعيد قانوني تقوده مصر واليونان وقبرص، أو تفاوض يعيد ترتيب الحدود والمصالح، أو احتكاكات بحرية ترفع كلفة المشروعات الاستراتيجية.

تركيا حققت مكسباً سياسياً مهماً بتغيير موقف برلمان الشرق الليبي، لكنها لم تحسم النزاع البحري في شرق المتوسط.

ومصر تواجه اختباراً لموازنة مصالحها السيادية مع الإغراءات التفاوضية التركية، فيما تحاول اليونان بناء جبهة قانونية مضادة.

أما فرنسا، فتواجه السؤال الأكثر عملية: هل تستطيع حماية مشروع كهربائي تتزايد كلفته ويتأخر موعده، في منطقة أصبحت فيها البنية التحتية نفسها جزءاً من صراع النفوذ؟

المعركة المقبلة في شرق المتوسط لن تحدد فقط من يرسم خطوط البحر، بل من يمتلك القدرة على تحويل تلك الخطوط إلى نفوذ اقتصادي وموارد ومشروعات قابلة للتنفيذ.

عماد السيد

مصادقة البرلمان الليبي على مذكرة ترسيم الحدود البحرية مع تركيا لا تعيد اتفاق 2019 إلى الواجهة فحسب، بل تفتح معركة جديدة على خرائط النفوذ وحقول الغاز وممرات الطاقة في شرق المتوسط.

والأخطر أن التحول يأتي من شرق ليبيا، الذي رفض الاتفاق لسنوات، فيما تواجه القاهرة عرضاً تركياً بمكاسب بحرية محتملة، وتبحث أثينا عن تحصين موقفها قانونياً، وتجد باريس نفسها أمام اختبار صعب في مشروع الربط الكهربائي مع قبرص واليونان.

البرلمان الليبي

البرلمان الليبي

انقلاب في الموقف الليبي.. لماذا الآن؟

في 20 أكتوبر 2026، صادق مجلس النواب الليبي في بنغازي بالإجماع على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني عام 2019، متراجعاً عن قرارات سابقة برفض الاتفاق ومقاطعة أنقرة.

التحول هنا يتجاوز التصويت نفسه، فالاتفاق الذي كان موضع خلاف بين مؤسسات الشرق والغرب الليبيين أصبح مدخلاً محتملاً لتقارب جديد، يوسّع النفوذ التركي ويعيد ترتيب حسابات القوى المتنافسة على مستقبل ليبيا.

أنقرة تكسب دعماً سياسياً من مؤسسة كانت تعارض الاتفاق، بينما يقدّم مؤيدوه الخطوة باعتبارها دفاعاً عن الحقوق البحرية الليبية. لكن المصادقة البرلمانية لا تنهي النزاع الدولي، ولا تجعل المطالبات البحرية المتعارضة حقيقة قانونية محسومة.

والسؤال الأهم: هل تتحول المصالحة البحرية إلى نفوذ اقتصادي فعلي، أم تصبح بداية مواجهة دبلوماسية أوسع؟

شرق المتوسط

حقل ظهر المصري في شرق المتوسط 

مصر أمام معادلة صعبة.. مكاسب على الخريطة

أم مخاطر على السيادة؟

رفضت القاهرة الاتفاق، معتبرة أنه يمس حقوقها السيادية في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري، ولا يمكن أن يرتب آثاراً قانونية في مواجهتها من دون أساس قانوني مقبول.

وتكمن حساسية النزاع في أن خطوط الترسيم المقترحة تتقاطع مع مطالبات بحرية متنافسة، وتؤثر في حسابات الاتصال البحري بين مصر واليونان وقبرص.

لكن أنقرة تطرح ورقة مضادة: وزير الدفاع التركي يشار غولر تحدث في 24 أكتوبر عن استعداد بلاده للتفاوض مع مصر على ترسيم المناطق البحرية، مشيراً إلى إمكانية حصول القاهرة على نحو 15 ألف كيلومتر مربع إضافية مقارنة بترتيب محتمل مع اليونان.

هذه مساحة معروضة في سياق حجة تفاوضية تركية، وليست مكسباً مصرياً متحققاً أو رقماً محسومًا بموجب اتفاق قائم.

هنا جوهر المناورة التركية: تحويل النزاع من مواجهة بين أنقرة ومحور القاهرة وأثينا ونيقوسيا إلى اختبار للمصالح المصرية، عبر إغراء جغرافي قد يضغط على التحالفات القائمة.

لكن القاهرة لا تقيس المسألة بالمساحة وحدها؛ فأساس الترسيم، واستقرار الحقوق البحرية، وعلاقاتها الإقليمية، كلها عوامل تحدد كلفة أي تفاهم محتمل.

منصات استخراج الغاز في شرق المتوسط

منصات استخراج الغاز في شرق المتوسط

اليونان تتحرك قانونياً.. هل تستطيع تغيير الخريطة؟

أثينا لا تكتفي بإعلان رفضها؛ بل تعمل مع القاهرة على توسيع اتفاق ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة الموقع عام 2020 شرقاً باتجاه قبرص، مستندة إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.

وتقول اليونان إن المذكرة التركية الليبية تتجاهل الحقوق البحرية للجزر اليونانية، وإن غياب السواحل المتقابلة أو المتجاورة بين تركيا وليبيا يثير اعتراضات قانونية جوهرية.

لكن النزاع في شرق المتوسط ليس محسومًا بمجرد تبادل التصريحات؛ فالتحدي الحقيقي هو تحويل الاعتراضات إلى مسار قانوني ودبلوماسي قادر على حماية المطالبات البحرية، من دون الانزلاق إلى مواجهة ميدانية.

كابل كهرباء بحري

فرنسا في قلب المواجهة.. مشروع كهرباء مهدد

المحور الفرنسي: اختبار النفوذ الأوروبي في شرق المتوسط

المعركة لا تدور حول الغاز وحده. فمشروع الربط الكهربائي البحري الكبير (GSI)، الذي يستهدف ربط قبرص باليونان، أصبح اختباراً لقدرة أوروبا على تنفيذ بنية تحتية استراتيجية في منطقة تتنازعها المطالبات البحرية.

الشركة الفرنسية “نيكسان” تتولى أعمال الكابل، فيما استحوذت مجموعة الاستثمار الفرنسية “ميريديام” على حصة أغلبية في شركة المشروع.

لكن استئناف المسوحات البحرية يواجه تعقيدات سياسية، وسط اعتراضات تركية على أنشطة بحرية في المنطقة.

والأرقام تكشف حجم المأزق: فقد أُرجئ موعد الإنجاز المتوقع إلى 1 يناير 2031، بعدما كان مستهدفاً في يناير 2030، فيما تجاوزت التكلفة التقديرية حاجز 1.9 مليار يورو، مع بقاء الكلفة النهائية غير محسومة.

كما أشارت “نيكسان” إلى احتمال عدم استئناف الإنتاج المرتبط بالمشروع قبل 2028.

قبرص تتمسك باستمرار المشروع، بينما تواجه باريس معادلة دقيقة: الضغط لاستئناف المسوحات، والتنسيق مع أثينا ونيقوسيا، وتفادي مواجهة بحرية مباشرة مع تركيا.

الخطر الفرنسي ليس التأخير وحده؛ بل أن تتحول كلفة المشروع إلى اختبار لمصداقية الاتحاد الأوروبي في حماية استثماراته الاستراتيجية.

شرق المتوسط

سفينة حفر بحرية تعمل في شرق المتوسط 

هل تمتد الأزمة إلى الشركات الأمريكية وحقول الغاز؟

حتى الآن، لا يعني التصويت الليبي تلقائياً تعطيل عقود التنقيب البرية لشركة “شيفرون” في حوض سرت؛ فهذه العمليات تختلف جغرافياً وتشغيلياً عن النزاع البحري.

لكن الخطر غير المباشر يرتفع إذا امتد التوتر إلى استقرار المؤسسات الليبية أو ترتيبات الاستثمار والطاقة.

وفي البحر، يمكن أن يؤدي استمرار النزاع إلى تأخير المسوحات والتراخيص، ورفع مخاطر الاستثمار في مشروعات الغاز والكابلات البحرية.

غاز طبيعي

غاز طبيعي

 

من يربح معركة شرق المتوسط؟

ثمة ثلاثة مسارات محتملة:

تصعيد قانوني تقوده مصر واليونان وقبرص، أو تفاوض يعيد ترتيب الحدود والمصالح، أو احتكاكات بحرية ترفع كلفة المشروعات الاستراتيجية.

تركيا حققت مكسباً سياسياً مهماً بتغيير موقف برلمان الشرق الليبي، لكنها لم تحسم النزاع البحري في شرق المتوسط.

ومصر تواجه اختباراً لموازنة مصالحها السيادية مع الإغراءات التفاوضية التركية، فيما تحاول اليونان بناء جبهة قانونية مضادة.

أما فرنسا، فتواجه السؤال الأكثر عملية: هل تستطيع حماية مشروع كهربائي تتزايد كلفته ويتأخر موعده، في منطقة أصبحت فيها البنية التحتية نفسها جزءاً من صراع النفوذ؟

المعركة المقبلة في شرق المتوسط لن تحدد فقط من يرسم خطوط البحر، بل من يمتلك القدرة على تحويل تلك الخطوط إلى نفوذ اقتصادي وموارد ومشروعات قابلة للتنفيذ.

شرق المتوسط يشتعل من جديد.. ليبيا تمنح تركيا ورقة بحرية