• سبتمبر 8, 2026
  • سبتمبر 8, 2026

عبد السلام ضيف الله

بعد عقود من تناوب منتخب الجزائر بين المدربين الجزائريين والأجانب، يعود «الخضر» إلى المدرسة المحلية بتعيين إبراهيم حمداني. فهل يكون الرجل الذي يعيد للمنتخب هويته، أم أن المقارنة مع بلماضي تحمل أكثر مما تحتمل؟

في قرار فاجأ جزءاً كبيراً من الشارع الرياضي الجزائري والمتابعين لشأن كرة القدم الأفريقية والعربية، اختارت الاتحادية الجزائرية لكرة القدم الدولي السابق إبراهيم حمداني لقيادة منتخب الجزائر الأول، خلفاً للسويسري فلاديمير بيتكوفيتش.

إبراهيم حمداني

إبراهيم حمداني

من هو إبراهيم حمداني

حمداني، البالغ من العمر 48 عاماً، ليس اسماً غريباً عن كرة القدم الجزائرية؛ فقد كان لاعباً دولياً وخاض مسيرة احترافية في أوروبا مع أندية مثل كان، ستراسبورغ، أولمبيك مرسيليا، ورينجرز الاسكتلندي، قبل أن ينتقل إلى عالم التدريب.

والأهم أنه يدخل مهمته الجديدة بعد أيام قليلة من قيادته منتخب الجزائر تحت 21 عاماً إلى الميدالية الذهبية في دورة ألعاب البحر المتوسط 2026 (فاز في النهائي على تونس 2-0).

وسيعمل حمداني مع طاقم يحمل بدوره بصمة جزائرية واضحة، إذ سيكون الدولي السابق عنتر يحيى مساعداً له، فيما يتولى نصر الدين برارمة تدريب حراس المرمى، وناصر داينيش مهمة التحضير البدني، بينما أسندت مهمة المناجير العام إلى الدولي السابق موسى صايب.

وهكذا تبدأ الجزائر صفحة جديدة وسط حزمة من الأسئلة، لكن السؤال الأبرز الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل يكون حمداني جمال بلماضي جديداً؟

المدرب والمحلل الفني لامين كزيم

المدرب والمحلل الفني لامين كزيم

 

الاختيار المفاجئ

يعبّر تعيين إبراهيم حمداني عن تحوّل لم يكن متوقعاً في حسابات الكثير من المتابعين والوسط الرياضي.

وفي هذا الإطار، يعلّق المدرب والمحلل الفني لامين كزيم على قرار الاتحادية قائلاً:

«والله رأيي في تعيين إبراهيم حمداني كان مفاجئاً من جهة، لأننا لم نكن ننتظر ذلك قياساً على اللائحة التي قدمها المكتب الفيدرالي والتي خرجت في الصحف والقنوات ومواقع التواصل الاجتماعي، والتي كانت كلها “بروفايل” أجنبي، خاصة من الكرة الإسبانية أو حتى الإيطالية.

ولكن المفاجأة كانت باختيار — ليس حمداني كمدرب — ولكن “البروفايل”، يعني مدرب ما كنا عارفين أين كان أو أين عمل، حتى عندما تنظر إلى السيرة الذاتية (الـ CV) الخاصة به ليست مسيرة كبيرة، فقد عمل في الدرجة الرابعة في فرنسا.

منتخب الجزائر المشارك في دورة تارانتو

منتخب الجزائر المشارك في دورة تارانتو

مجيؤه إلى المنتخب الوطني لأقل من 21 سنة ربما سرّع الوتيرة في اختياره بعدما فاز بالميدالية الذهبية في ألعاب البحر الأبيض المتوسط.

على كل حال، يبقى اختياراً، والنتائج فيما بعد هي التي تعطي الإجابة هل كان اختياراً جيداً أم لا. لكن في قضية اختيار حمداني، الأمر الذي أحرجني قليلاً هو تعيين عنتر يحيى كمساعد قبل أن يعيّنوا إبراهيم حمداني، فقط كيفية التعامل مع هذا الاختيار هي التي كانت تطرح نوعاً ما تساؤلات.

ولكن نحن نعلم أنه في الكرة الأفريقية يمكنك تحقيق نتائج دون أن تكون لديك خبرة؛ مثلاً إيميرس فايي في كوت ديفوار لم تكن لديه خبرة وفاز بكأس أفريقيا، وكذلك باب طياو، وأليو سيسيه.. المدربون الآخرون الذين فازوا بكأس أفريقيا لم تكن لديهم تجربة.»

جمال بلماضي

جمال بلماضي

عودة إلى المدرب الوطني

تعيين حمداني لا يمكن فصله عن تاريخ طويل للمنتخب الجزائري، ظل خلاله المدرب الوطني حاضراً بقوة، قبل أن تتسع مساحة الاعتماد على الأجانب في السنوات الأخيرة.

فالمدرسة الجزائرية أنتجت أسماء كبيرة في تاريخ «الخضر»، من عبد الحميد كرمالي الذي قاد الجزائر إلى لقب كأس أمم أفريقيا 1990، إلى رابح سعدان الذي قاد المنتخب إلى كأس العالم 1986 ثم 2010، مروراً برشيد مخلوفي، محيي الدين خالف، رابح ماجر، وخصوصاً جمال بلماضي الذي أعاد الجزائر إلى المجد الأفريقي.

لكن الجزائر عرفت أيضاً تجارب أجنبية ناجحة، وبالتالي فإن اختزال القصة في عبارة «الأجنبي فشل والمحلي ينجح» سيكون غير دقيق؛ وأكبر مثال هو البوسني وحيد خليلوزيتش، الذي قاد الجزائر إلى مونديال 2014 وبلغ معها الدور ثمن النهائي، في أفضل مشاركة جزائرية في تاريخ كأس العالم.

المشكلة إذن ليست في جواز سفر المدرب، وإنما في قدرته على فهم المنتخب وبناء مشروع مستقر حوله.

رشيد مخلوفي

رشيد مخلوفي

من قاد «الخضر» منذ 1963؟

منذ أول مباراة رسمية للجزائر بعد الاستقلال، تعاقب على تدريب المنتخب عدد كبير من المدربين، وكان الجزائريون هم الغالبية في المراحل الأولى.

وبحسب القائمة التي نشرتها وكالة الأنباء الجزائرية والتلفزيون الجزائري بمناسبة تعيين حمداني، فإن أبرز التسلسل التاريخي للمدربين هو:

الجيل الأول (1963 ــ 1975):

عبد القادر فيرود (1963، أول مدرب للمنتخب بعد الاستقلال).

إسماعيل خباطو (1963–1964، ثم عاد لاحقاً).

عبد الرحمن إبرير (1964–1965).

سعيد عمارة (1969 و1973).

رشيد مخلوفي (1971–1972 ثم 1975–1979).

محيي الدين خالف (تولى المهمة في عدة فترات).

لوسيان ليدوك (1966–1969، وكان أول مدرب أجنبي يقود المنتخب الجزائري).

دومينيك/دوميترو ماكري (1974–1975).

(وكانت هذه المرحلة بمثابة تأسيس للمنتخب، مع اعتماد كبير على نجوم جيل الاستقلال ولاعبي فريق جبهة التحرير الوطني).

مرحلة السبعينيات والثمانينيات:

رشيد مخلوفي، محيي الدين خالف، زدرابكو رايكوف (أجنبي)، رابح سعدان، إيفغيني روغوف، كامل لموي، عبد الحميد كرمالي، محمد معوش، إسماعيل خباطو.

(وكانت هذه الفترة من أكثر المراحل ثراءً في تاريخ الكرة الجزائرية مع جيل بلومي، ماجر، عصاد، قريشي، منصوري وغيرهم، وتُوّجت بالتأهل إلى كأس العالم 1982 و1986).

مرحلة التسعينيات:

بعد التتويج التاريخي بكأس أمم أفريقيا 1990 تحت قيادة عبد الحميد كرمالي، دخل المنتخب مرحلة من عدم الاستقرار الفني، وتعاقب عليه: عبد الحميد كرمالي، مزيان إيغيل، رابح ماجر، مراد عبد الوهاب، رابح سعدان، نصر الدين صندجاق، عبد الرحمن مهداوي، ومارسيل بيغولا. وشهدت هذه الفترة تراجعاً واضحاً مقارنة بجيل الثمانينيات.

من 2000 إلى 2018 (تناوب سريع):

دخل المنتخب في الألفية الجديدة مرحلة من التغييرات المتكررة، ومن أبرز الأسماء: رابح ماجر، حميد زوبا، عبد الحق بن شيخة، رابح سعدان، علي فرقاني، مزيان إيغيل، جون ميشال كافالي، وحيد خليلوزيتش، كريستيان غوركوف، نبيل نغيز (مؤقتاً)، ميلوفان راييفاتش، جورج ليكنس، ولوكاس ألكاراز. وما ميّز هذه المرحلة هو غياب الاستقرار وتكرار إعادة البناء.

جمال بلماضي

جمال بلماضي

بلماضي… عندما نجح المدرب الوطني

وسط هذا التذبذب، جاء جمال بلماضي في أغسطس 2018. لم يكن بلماضي مجرد مدرب جزائري، بل كان لاعباً دولياً سابقاً يعرف المنتخب والبيئة الجزائرية، ويمتلك تجارب تدريبية ناجحة.

وكانت النتيجة استثنائية؛ ففي أقل من عام قاد بلماضي الجزائر إلى لقب كأس أمم أفريقيا 2019، وأعاد بناء منتخب يمتلك شخصية واضحة، وروحاً تنافسية، وانضباطاً تكتيكياً، إضافة إلى سلسلة تاريخية من 35 مباراة دون هزيمة.

لكن قصة بلماضي لم تنتهِ كما بدأت؛ فبعد اللقب الأفريقي فشلت الجزائر في بلوغ كأس العالم 2022، ثم خرجت من دور المجموعات في كأس أمم أفريقيا 2021 و2023، لتنتهي مغامرته مع منتخب الجزائر في يناير 2024. وهنا يظهر أحد أهم دروس التجربة: المدرب الوطني يستطيع أن يصنع الإنجاز، لكنه ليس محصناً من الفشل.

بيتكوفيتش

بيتكوفيتش

وبعد بلماضي… هل نجح الخيار الأجنبي؟

بعد رحيل بلماضي، لجأت الجزائر مجدداً إلى مدرب أجنبي، وهو السويسري فلاديمير بيتكوفيتش الذي يمتلك سيرة تدريبية كبيرة وقاد منتخب سويسرا لنتائج مهمة. لكن التجربة انتهت في أغسطس 2026 بعد خروج منتخب الجزائر من كأس العالم 2026، لينفصل الطرفان وتبدأ الاتحادية مرحلة بحث جديدة انتهت باختيار طريق مختلف تماماً: لا مدرب أجنبي كبير هذه المرة، بل لاعب جزائري سابق ومدرب شاب نسبياً على المستوى الدولي.

منتخب الجزائر

إبراهيم حمداني

لماذا حمداني؟

اختيار حمداني يحمل أكثر من دلالة:

الخبرة الأوروبية والوطنية: الرجل يعرف كرة القدم الأوروبية من الداخل بعد تجاربه في فرنسا واسكتلندا، ومثّل المنتخب الجزائري سابقاً.

النجاح المباشر: جاء تعيينه بعد إنجاز ملموس يقود فيه منتخب تحت 21 عاماً إلى ذهبية ألعاب البحر المتوسط 2026.

الطابع المحلي للدفة الفنية: تم تزويده بطاقم جزائري بامتياز (عنتر يحيى كمساعد وموسى صايب كمناجير عام)، وهي تركيبة تذكّر ببداية مشروع بلماضي.

حمداني وبلماضي… أوجه الشبه والاختلاف

التشابه بين الرجلين واضح:

كلاهما لاعب دولي جزائري سابق لعب في صفوف منتخب الجزائر مرّ بتجربة الاحتراف الأوروبي.

كلاهما يعرف عقلية اللاعب الجزائري والبيئة المحيطة.

يصلان إلى منتخب الجزائر في مرحلة تحتاج إلى إعادة بناء الثقة.

لكن الفوارق مهمة:

بلماضي وصل بلمسة تدريبية أعمق ونيش ألقاب مع الأندية قبل المنتخب، بينما يدخل حمداني الآن أكبر اختبار تدريبي في مسيرته.

بلماضي استلم جيلاً في ذروة عطائه، بينما يواجه حمداني مرحلة انتقال تجمع بين عناصر الخبرة وجيل صاعد.

رأي فني: لا مجال للمقارنة

وفيما يخص المقارنة بين الرجلين، يؤكد المدرب والمحلل الفني لامين كزيم أنه لا مجال للمقارنة إطلاقاً بين تجربة بلماضي والمرحلة الحالية التي يخوضها حمداني، حيث يرى:

«فيما يخص الشق المتعلق بالمقارنة، أرى أنه لا مجال للمقارنة مع جمال بلماضي. بلماضي كان قد أثبت نوعاً ما وجوده وقدراته في قطر مع المنتخب الأولمبي والمنتخب القطري الأول، وكذلك مع نادي الدحيل، حيث قام بتجارب إيجابية للغاية قبل تسلمه العارضة الفنية للجزائر.

ثم إنه أثبت لاحقاً أنه مدرب كبير والنتائج كانت معه، ويبقى في تاريخ كرة القدم الجزائرية باعتباره المدرب الوحيد الذي فاز بكأس أمم أفريقيا خارج الجزائر (بعد تتويج 1990 بالجزائر مع الشيخ عبد الحميد كرمالي).

بلماضي هو المدرب الذي حقق أكبر نتائج إيجابية خارج الديار وسلسلة 35 مباراة دون هزيمة، وهو إنجاز كبير وليس بالأمر السهل، رغم النتائج المتواضعة في الأخير والتي فرضتها ظروف خاصة.

لذلك أظن أنه لا مجال للمقارنة صراحة بين المرحلتين؛ فلكل وقت ظروفه، ولكل ظرف معطياته مع المكتب الفيدرالي والتحديات الخاصة به، وكل تجربة لها واقعها المنفصل.»

منتخب الجزائر

منتخب الجزائر

هل تحتاج الجزائر فعلاً إلى المدرب الوطني؟

منتخب الجزائر يضم لاعبين ينشطون في مختلف الدوريات الأوروبية، ولذلك يحتاج المدرب إلى القدرة على إدارة مجموعة متعددة الثقافات والخبرات.

وهنا يمتلك المدرب الجزائري ميزة «الهوية المشتركة»، حيث يفهم طبيعة الضغط الجماهيري والإعلامي وتطلعات الشارع الرياضي. لكن هذه المزايا لا تكفي وحدها دون كفاءة فنية، جهاز مساعد قوي، استقلالية في القرار، ودعم إداري مستمر.

الخلاصة: هل سيكون حمداني بلماضي الجديد؟

قد تكون المقارنة مع بلماضي مغرية، لكنها ليست عادلة بعد؛ فبلماضي أصبح جزءاً من التاريخ بتحقيقه لقباً قارياً، بينما يبدأ حمداني مشواره التنافسي الآن.

وسيكون الاختبار الأول سريعاً مع اقتراب تصفيات كأس أمم أفريقيا 2027، حيث تستهل الجزائر مشوارها أمام زامبيا في 25 سبتمبر، ثم تواجه بوروندي في 29 سبتمبر.

السؤال الحقيقي إذن ليس ما إذا كان حمداني سيكون بلماضي جديداً، بل: هل تستطيع الجزائر أن تصنع مع حمداني مشروعاً وطنياً جديداً يستفيد من دروس النجاح والإخفاق السابقة؟ إذا تحقق ذلك، فلن يكون بحاجة ليكون نسخة من أحد، بل سيكون إبراهيم حمداني بتجربته وبصمته الخاصة.

عبد السلام ضيف الله

بعد عقود من تناوب منتخب الجزائر بين المدربين الجزائريين والأجانب، يعود «الخضر» إلى المدرسة المحلية بتعيين إبراهيم حمداني. فهل يكون الرجل الذي يعيد للمنتخب هويته، أم أن المقارنة مع بلماضي تحمل أكثر مما تحتمل؟

في قرار فاجأ جزءاً كبيراً من الشارع الرياضي الجزائري والمتابعين لشأن كرة القدم الأفريقية والعربية، اختارت الاتحادية الجزائرية لكرة القدم الدولي السابق إبراهيم حمداني لقيادة منتخب الجزائر الأول، خلفاً للسويسري فلاديمير بيتكوفيتش.

إبراهيم حمداني

إبراهيم حمداني

من هو إبراهيم حمداني

حمداني، البالغ من العمر 48 عاماً، ليس اسماً غريباً عن كرة القدم الجزائرية؛ فقد كان لاعباً دولياً وخاض مسيرة احترافية في أوروبا مع أندية مثل كان، ستراسبورغ، أولمبيك مرسيليا، ورينجرز الاسكتلندي، قبل أن ينتقل إلى عالم التدريب.

والأهم أنه يدخل مهمته الجديدة بعد أيام قليلة من قيادته منتخب الجزائر تحت 21 عاماً إلى الميدالية الذهبية في دورة ألعاب البحر المتوسط 2026 (فاز في النهائي على تونس 2-0).

وسيعمل حمداني مع طاقم يحمل بدوره بصمة جزائرية واضحة، إذ سيكون الدولي السابق عنتر يحيى مساعداً له، فيما يتولى نصر الدين برارمة تدريب حراس المرمى، وناصر داينيش مهمة التحضير البدني، بينما أسندت مهمة المناجير العام إلى الدولي السابق موسى صايب.

وهكذا تبدأ الجزائر صفحة جديدة وسط حزمة من الأسئلة، لكن السؤال الأبرز الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل يكون حمداني جمال بلماضي جديداً؟

المدرب والمحلل الفني لامين كزيم

المدرب والمحلل الفني لامين كزيم

 

الاختيار المفاجئ

يعبّر تعيين إبراهيم حمداني عن تحوّل لم يكن متوقعاً في حسابات الكثير من المتابعين والوسط الرياضي.

وفي هذا الإطار، يعلّق المدرب والمحلل الفني لامين كزيم على قرار الاتحادية قائلاً:

«والله رأيي في تعيين إبراهيم حمداني كان مفاجئاً من جهة، لأننا لم نكن ننتظر ذلك قياساً على اللائحة التي قدمها المكتب الفيدرالي والتي خرجت في الصحف والقنوات ومواقع التواصل الاجتماعي، والتي كانت كلها “بروفايل” أجنبي، خاصة من الكرة الإسبانية أو حتى الإيطالية.

ولكن المفاجأة كانت باختيار — ليس حمداني كمدرب — ولكن “البروفايل”، يعني مدرب ما كنا عارفين أين كان أو أين عمل، حتى عندما تنظر إلى السيرة الذاتية (الـ CV) الخاصة به ليست مسيرة كبيرة، فقد عمل في الدرجة الرابعة في فرنسا.

منتخب الجزائر المشارك في دورة تارانتو

منتخب الجزائر المشارك في دورة تارانتو

مجيؤه إلى المنتخب الوطني لأقل من 21 سنة ربما سرّع الوتيرة في اختياره بعدما فاز بالميدالية الذهبية في ألعاب البحر الأبيض المتوسط.

على كل حال، يبقى اختياراً، والنتائج فيما بعد هي التي تعطي الإجابة هل كان اختياراً جيداً أم لا. لكن في قضية اختيار حمداني، الأمر الذي أحرجني قليلاً هو تعيين عنتر يحيى كمساعد قبل أن يعيّنوا إبراهيم حمداني، فقط كيفية التعامل مع هذا الاختيار هي التي كانت تطرح نوعاً ما تساؤلات.

ولكن نحن نعلم أنه في الكرة الأفريقية يمكنك تحقيق نتائج دون أن تكون لديك خبرة؛ مثلاً إيميرس فايي في كوت ديفوار لم تكن لديه خبرة وفاز بكأس أفريقيا، وكذلك باب طياو، وأليو سيسيه.. المدربون الآخرون الذين فازوا بكأس أفريقيا لم تكن لديهم تجربة.»

جمال بلماضي

جمال بلماضي

عودة إلى المدرب الوطني

تعيين حمداني لا يمكن فصله عن تاريخ طويل للمنتخب الجزائري، ظل خلاله المدرب الوطني حاضراً بقوة، قبل أن تتسع مساحة الاعتماد على الأجانب في السنوات الأخيرة.

فالمدرسة الجزائرية أنتجت أسماء كبيرة في تاريخ «الخضر»، من عبد الحميد كرمالي الذي قاد الجزائر إلى لقب كأس أمم أفريقيا 1990، إلى رابح سعدان الذي قاد المنتخب إلى كأس العالم 1986 ثم 2010، مروراً برشيد مخلوفي، محيي الدين خالف، رابح ماجر، وخصوصاً جمال بلماضي الذي أعاد الجزائر إلى المجد الأفريقي.

لكن الجزائر عرفت أيضاً تجارب أجنبية ناجحة، وبالتالي فإن اختزال القصة في عبارة «الأجنبي فشل والمحلي ينجح» سيكون غير دقيق؛ وأكبر مثال هو البوسني وحيد خليلوزيتش، الذي قاد الجزائر إلى مونديال 2014 وبلغ معها الدور ثمن النهائي، في أفضل مشاركة جزائرية في تاريخ كأس العالم.

المشكلة إذن ليست في جواز سفر المدرب، وإنما في قدرته على فهم المنتخب وبناء مشروع مستقر حوله.

رشيد مخلوفي

رشيد مخلوفي

من قاد «الخضر» منذ 1963؟

منذ أول مباراة رسمية للجزائر بعد الاستقلال، تعاقب على تدريب المنتخب عدد كبير من المدربين، وكان الجزائريون هم الغالبية في المراحل الأولى.

وبحسب القائمة التي نشرتها وكالة الأنباء الجزائرية والتلفزيون الجزائري بمناسبة تعيين حمداني، فإن أبرز التسلسل التاريخي للمدربين هو:

الجيل الأول (1963 ــ 1975):

عبد القادر فيرود (1963، أول مدرب للمنتخب بعد الاستقلال).

إسماعيل خباطو (1963–1964، ثم عاد لاحقاً).

عبد الرحمن إبرير (1964–1965).

سعيد عمارة (1969 و1973).

رشيد مخلوفي (1971–1972 ثم 1975–1979).

محيي الدين خالف (تولى المهمة في عدة فترات).

لوسيان ليدوك (1966–1969، وكان أول مدرب أجنبي يقود المنتخب الجزائري).

دومينيك/دوميترو ماكري (1974–1975).

(وكانت هذه المرحلة بمثابة تأسيس للمنتخب، مع اعتماد كبير على نجوم جيل الاستقلال ولاعبي فريق جبهة التحرير الوطني).

مرحلة السبعينيات والثمانينيات:

رشيد مخلوفي، محيي الدين خالف، زدرابكو رايكوف (أجنبي)، رابح سعدان، إيفغيني روغوف، كامل لموي، عبد الحميد كرمالي، محمد معوش، إسماعيل خباطو.

(وكانت هذه الفترة من أكثر المراحل ثراءً في تاريخ الكرة الجزائرية مع جيل بلومي، ماجر، عصاد، قريشي، منصوري وغيرهم، وتُوّجت بالتأهل إلى كأس العالم 1982 و1986).

مرحلة التسعينيات:

بعد التتويج التاريخي بكأس أمم أفريقيا 1990 تحت قيادة عبد الحميد كرمالي، دخل المنتخب مرحلة من عدم الاستقرار الفني، وتعاقب عليه: عبد الحميد كرمالي، مزيان إيغيل، رابح ماجر، مراد عبد الوهاب، رابح سعدان، نصر الدين صندجاق، عبد الرحمن مهداوي، ومارسيل بيغولا. وشهدت هذه الفترة تراجعاً واضحاً مقارنة بجيل الثمانينيات.

من 2000 إلى 2018 (تناوب سريع):

دخل المنتخب في الألفية الجديدة مرحلة من التغييرات المتكررة، ومن أبرز الأسماء: رابح ماجر، حميد زوبا، عبد الحق بن شيخة، رابح سعدان، علي فرقاني، مزيان إيغيل، جون ميشال كافالي، وحيد خليلوزيتش، كريستيان غوركوف، نبيل نغيز (مؤقتاً)، ميلوفان راييفاتش، جورج ليكنس، ولوكاس ألكاراز. وما ميّز هذه المرحلة هو غياب الاستقرار وتكرار إعادة البناء.

جمال بلماضي

جمال بلماضي

بلماضي… عندما نجح المدرب الوطني

وسط هذا التذبذب، جاء جمال بلماضي في أغسطس 2018. لم يكن بلماضي مجرد مدرب جزائري، بل كان لاعباً دولياً سابقاً يعرف المنتخب والبيئة الجزائرية، ويمتلك تجارب تدريبية ناجحة.

وكانت النتيجة استثنائية؛ ففي أقل من عام قاد بلماضي الجزائر إلى لقب كأس أمم أفريقيا 2019، وأعاد بناء منتخب يمتلك شخصية واضحة، وروحاً تنافسية، وانضباطاً تكتيكياً، إضافة إلى سلسلة تاريخية من 35 مباراة دون هزيمة.

لكن قصة بلماضي لم تنتهِ كما بدأت؛ فبعد اللقب الأفريقي فشلت الجزائر في بلوغ كأس العالم 2022، ثم خرجت من دور المجموعات في كأس أمم أفريقيا 2021 و2023، لتنتهي مغامرته مع منتخب الجزائر في يناير 2024. وهنا يظهر أحد أهم دروس التجربة: المدرب الوطني يستطيع أن يصنع الإنجاز، لكنه ليس محصناً من الفشل.

بيتكوفيتش

بيتكوفيتش

وبعد بلماضي… هل نجح الخيار الأجنبي؟

بعد رحيل بلماضي، لجأت الجزائر مجدداً إلى مدرب أجنبي، وهو السويسري فلاديمير بيتكوفيتش الذي يمتلك سيرة تدريبية كبيرة وقاد منتخب سويسرا لنتائج مهمة. لكن التجربة انتهت في أغسطس 2026 بعد خروج منتخب الجزائر من كأس العالم 2026، لينفصل الطرفان وتبدأ الاتحادية مرحلة بحث جديدة انتهت باختيار طريق مختلف تماماً: لا مدرب أجنبي كبير هذه المرة، بل لاعب جزائري سابق ومدرب شاب نسبياً على المستوى الدولي.

منتخب الجزائر

إبراهيم حمداني

لماذا حمداني؟

اختيار حمداني يحمل أكثر من دلالة:

الخبرة الأوروبية والوطنية: الرجل يعرف كرة القدم الأوروبية من الداخل بعد تجاربه في فرنسا واسكتلندا، ومثّل المنتخب الجزائري سابقاً.

النجاح المباشر: جاء تعيينه بعد إنجاز ملموس يقود فيه منتخب تحت 21 عاماً إلى ذهبية ألعاب البحر المتوسط 2026.

الطابع المحلي للدفة الفنية: تم تزويده بطاقم جزائري بامتياز (عنتر يحيى كمساعد وموسى صايب كمناجير عام)، وهي تركيبة تذكّر ببداية مشروع بلماضي.

حمداني وبلماضي… أوجه الشبه والاختلاف

التشابه بين الرجلين واضح:

كلاهما لاعب دولي جزائري سابق لعب في صفوف منتخب الجزائر مرّ بتجربة الاحتراف الأوروبي.

كلاهما يعرف عقلية اللاعب الجزائري والبيئة المحيطة.

يصلان إلى منتخب الجزائر في مرحلة تحتاج إلى إعادة بناء الثقة.

لكن الفوارق مهمة:

بلماضي وصل بلمسة تدريبية أعمق ونيش ألقاب مع الأندية قبل المنتخب، بينما يدخل حمداني الآن أكبر اختبار تدريبي في مسيرته.

بلماضي استلم جيلاً في ذروة عطائه، بينما يواجه حمداني مرحلة انتقال تجمع بين عناصر الخبرة وجيل صاعد.

رأي فني: لا مجال للمقارنة

وفيما يخص المقارنة بين الرجلين، يؤكد المدرب والمحلل الفني لامين كزيم أنه لا مجال للمقارنة إطلاقاً بين تجربة بلماضي والمرحلة الحالية التي يخوضها حمداني، حيث يرى:

«فيما يخص الشق المتعلق بالمقارنة، أرى أنه لا مجال للمقارنة مع جمال بلماضي. بلماضي كان قد أثبت نوعاً ما وجوده وقدراته في قطر مع المنتخب الأولمبي والمنتخب القطري الأول، وكذلك مع نادي الدحيل، حيث قام بتجارب إيجابية للغاية قبل تسلمه العارضة الفنية للجزائر.

ثم إنه أثبت لاحقاً أنه مدرب كبير والنتائج كانت معه، ويبقى في تاريخ كرة القدم الجزائرية باعتباره المدرب الوحيد الذي فاز بكأس أمم أفريقيا خارج الجزائر (بعد تتويج 1990 بالجزائر مع الشيخ عبد الحميد كرمالي).

بلماضي هو المدرب الذي حقق أكبر نتائج إيجابية خارج الديار وسلسلة 35 مباراة دون هزيمة، وهو إنجاز كبير وليس بالأمر السهل، رغم النتائج المتواضعة في الأخير والتي فرضتها ظروف خاصة.

لذلك أظن أنه لا مجال للمقارنة صراحة بين المرحلتين؛ فلكل وقت ظروفه، ولكل ظرف معطياته مع المكتب الفيدرالي والتحديات الخاصة به، وكل تجربة لها واقعها المنفصل.»

منتخب الجزائر

منتخب الجزائر

هل تحتاج الجزائر فعلاً إلى المدرب الوطني؟

منتخب الجزائر يضم لاعبين ينشطون في مختلف الدوريات الأوروبية، ولذلك يحتاج المدرب إلى القدرة على إدارة مجموعة متعددة الثقافات والخبرات.

وهنا يمتلك المدرب الجزائري ميزة «الهوية المشتركة»، حيث يفهم طبيعة الضغط الجماهيري والإعلامي وتطلعات الشارع الرياضي. لكن هذه المزايا لا تكفي وحدها دون كفاءة فنية، جهاز مساعد قوي، استقلالية في القرار، ودعم إداري مستمر.

الخلاصة: هل سيكون حمداني بلماضي الجديد؟

قد تكون المقارنة مع بلماضي مغرية، لكنها ليست عادلة بعد؛ فبلماضي أصبح جزءاً من التاريخ بتحقيقه لقباً قارياً، بينما يبدأ حمداني مشواره التنافسي الآن.

وسيكون الاختبار الأول سريعاً مع اقتراب تصفيات كأس أمم أفريقيا 2027، حيث تستهل الجزائر مشوارها أمام زامبيا في 25 سبتمبر، ثم تواجه بوروندي في 29 سبتمبر.

السؤال الحقيقي إذن ليس ما إذا كان حمداني سيكون بلماضي جديداً، بل: هل تستطيع الجزائر أن تصنع مع حمداني مشروعاً وطنياً جديداً يستفيد من دروس النجاح والإخفاق السابقة؟ إذا تحقق ذلك، فلن يكون بحاجة ليكون نسخة من أحد، بل سيكون إبراهيم حمداني بتجربته وبصمته الخاصة.

وسط تفاجؤ الشارع الرياضي: هل سيكون حمداني «جمال بلماضي» الجديد في منتخب الجزائر؟