عماد السيد
350 مليار درهم خلال خمس سنوات، هذا هو حجم الكلفة الإضافية التي يضعها حزب الأصالة والمعاصرة «البام» لبرنامجه الانتخابي للفترة 2027–2031، أي نحو 70 مليار درهم سنوياً.
لكن المفاجأة ليست في حجم الوعود وحده.
المفاجأة أن الحزب يقول إن 300 مليار درهم من أصل الـ350 ملياراً ستأتي من الأثر الإضافي للنمو الاقتصادي.
بمعنى أبسط:
جزء كبير من البرنامج لا يموله المال الموجود اليوم، بل المال الذي يفترض أن ينتجه الاقتصاد غداً.
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي.
350 ملياراً.. ماذا يريد «البام» أن يشتري للمغاربة؟
البرنامج يقسم الإنفاق إلى أربعة مواثيق رئيسية.
150 مليار درهم للقدرة الشرائية:
إعفاء الأجور الإجمالية الأقل من 15 ألف درهم من ضريبة الدخل، رفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3 آلاف درهم، زيادة الدعم المباشر تدريجياً إلى ألف درهم للأسر المستحقة، وإعفاء فواتير الكهرباء التي تقل عن 100 درهم شهرياً.
50 ملياراً للشباب:
دعم توظيف نحو 500 ألف شاب، مساعدة نحو 60 ألف مشروع شبابي، توفير 100 ألف حل سكني، والسعي إلى 125 ألف فرصة عمل قانونية بالخارج.
100 مليار درهم للصحة والعمل والسكن:
الهدف مليون فرصة عمل صافية، بناء أربعة مستشفيات جامعية، تحديث 1600 مركز صحي و90 مستشفى، ومساعدة 500 ألف أسرة على الحصول على سكن لائق.
أما 50 مليار درهم فتذهب إلى الأمن المائي والطاقة والغذاء، ومنها ست محطات لتحلية مياه البحر، ونحو 400 سد صغير ومنشأة لتجميع مياه الأمطار ومخزون وقود لثلاثة أشهر.

لكن هنا تبدأ المعادلة الصعبة: 300 مليار مرتبطة بالنمو
مصادر التمويل التي أعلنها البام واضحة:
• 300 مليار درهم من الأثر الإضافي للنمو.
• 40 ملياراً من مساهمة الجماعات الترابية عبر صندوق الضريبة على القيمة المضافة.
• 10 مليارات من إعادة تخصيص النفقات ورفع كفاءة الإنفاق.
أي أن 85.7% من التمويل المفترض للبرنامج مرتبط بالنمو الاقتصادي.
والحزب يبني الحساب على نمو سنوي متوسط قدره 5% بين 2027 و2031، مقابل نحو 3.7% خلال 2022–2025، مع إبقاء عجز الميزانية عند سقف 3% من الناتج، وخفض المديونية العمومية إلى 62% من الناتج بحلول 2031.
وهنا تحديداً تقع نقطة الاختبار.

5% ليست مجرد نسبة نمو.. إنها مصدر تمويل
إذا نما الاقتصاد بالسرعة التي يفترضها البرنامج، فإن الناتج الأكبر يعني نشاطاً اقتصادياً أكبر، وأرباحاً وأجوراً واستهلاكاً واستثمارات أكبر، وبالتالي قاعدة ضريبية أوسع.
لكن النمو الاقتصادي لا يتحول آلياً وبالكامل إلى إيرادات حكومية.
وهذه نقطة مهمة لأن أحدث التوقعات الرسمية لا تبني بالضرورة على 5%.
فوفق المعطيات الحكومية المنشورة في سبتمبر 2026، يُتوقع نمو الاقتصاد المغربي بنحو 4.1% في 2027، مع نمو القيمة المضافة غير الفلاحية بنحو 4.3% .
كما يتوقع صندوق النقد الدولي مساراً مالياً أكثر تحفظاً، مع عجز للحكومة المركزية يبلغ نحو 3.4% من الناتج في 2026 ويتراجع تدريجياً إلى 3% في 2031، ودين حكومي مركزي ينخفض من 67.1% من الناتج في نهاية 2025 إلى نحو 60.8% في 2031 في خط أساس الصندوق.
إذن الفارق بين 4.1% و5% ليس تفصيلاً محاسبياً.
إنه الفارق بين اقتصاد ينمو وفق التوقعات الحالية، واقتصاد يجب أن ينمو بسرعة أكبر كي يولد التمويل الذي يعتمد عليه البرنامج.

درهم مغربي
ماذا لو لم تأتِ الـ5%؟
هنا يمكن تصور ثلاثة مسارات، وهي سيناريوهات تحليلية وليست توقعات رسمية.
السيناريو الأول: النمو قريب من 5%
تتحسن الإيرادات، ويصبح تمويل جزء كبير من الالتزامات أكثر قابلية للإدارة، خصوصاً إذا استمر تحسن التحصيل الضريبي وضبط الإنفاق.
لكن حتى هنا ستبقى المشكلة في توقيت الأموال.
فالإنفاق الاجتماعي قد يبدأ فوراً، بينما العائد المالي من النمو يحتاج وقتاً حتى يظهر في الخزينة.
السيناريو الثاني: نمو بين 3.5% و4%
هنا تضيق المساحة المالية.
إيرادات أقل تعني حاجة أكبر إلى إعادة ترتيب الأولويات:
ما الذي ينفذ أولاً؟
وما الذي يؤجل؟
وما الذي يمول بالاقتراض؟
وهذا مهم خصوصاً مع استمرار الإنفاق الاستثماري الكبير في المغرب.
السيناريو الثالث: نمو ضعيف لعدة سنوات
هنا تصبح المعادلة أكثر حساسية:
نمو أضعف – إيرادات أقل – عجز أكبر – اقتراض أكبر – خدمة دين أعلى – مساحة أقل للإنفاق الاجتماعي والاستثماري.
وهذا هو الخطر الحقيقي في أي برنامج يعتمد بدرجة كبيرة على إيرادات مستقبلية غير مضمونة.

الشارع في المغرب
والدين؟ هنا تصبح الفاتورة طويلة الأجل
الاقتراض ليس بالضرورة مشكلة بحد ذاته.
الدولة تستطيع تمويل الإنفاق عبر سندات الخزينة محلياً، أو الاقتراض الخارجي، أو مؤسسات التمويل الدولية.
لكن المشكلة تظهر عندما يتحول الاقتراض من وسيلة لتمويل استثمار قادر على خلق نمو، إلى وسيلة لسد فجوة متكررة بين وعود الإنفاق والإيرادات الفعلية.
وفي هذه الحالة، لا يدفع الاقتصاد الفاتورة مرة واحدة.
يدفعها لاحقاً عبر فوائد وخدمة دين ومجال مالي أضيق.
وصندوق النقد يرى حالياً أن الدين الحكومي المركزي المغربي مستدام بدرجة عالية من الاحتمال، لكنه يشير أيضاً إلى أن توسيع الاستثمار والبنية التحتية يخلق التزامات ومخاطر مالية يجب إدارتها.
المفارقة الكبرى: البرنامج يريد خفض الدين في الوقت نفسه
«البام» لا يقول فقط: سننفق 350 مليار درهم.
بل يقول أيضاً:
سنمولها، ونحافظ على عجز لا يتجاوز 3%، ونخفض الدين إلى 62% من الناتج في 2031.
وهذا يجعل النمو بنسبة 5% حجر الزاوية في المعادلة كلها.
لأن البرنامج يحتاج في الوقت نفسه إلى:
إنفاق اجتماعي أكبر + استثمارات أكبر + إيرادات أعلى + عجز محدود + دين في مسار هابط.
كلها ممكنة نظرياً، لكن بشرط أن تعمل المحركات الاقتصادية والضريبية بالكفاءة التي يفترضها البرنامج.

السؤال الذي سيلاحق «البام» ليس: هل الوعود كبيرة؟
برنامج البام نفسه يقدّم أرقاماً وآليات تمويل واضحة.
لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الانتخابات:
هل يستطيع الاقتصاد المغربي أن يولد الـ300 مليار درهم الإضافية التي يعوّل عليها برنامج البام؟
وإذا جاء النمو عند 4% بدلاً من 5%، أو جاءت الإيرادات الضريبية أقل من المتوقع، فماذا سيحدث؟
هل يُعاد ترتيب وعود البام؟
هل يؤجل بعضها؟
هل ترتفع الضرائب أو الرسوم؟
أم تلجأ الخزينة إلى مزيد من الاقتراض؟
هنا تتحول الـ350 مليار درهم من رقم انتخابي لحزب البام إلى اختبار مالي.
فالوعود تُعلن اليوم.
أما فاتورتها الحقيقية، فيحددها غداً: النمو، والإيرادات، والعجز، والدين.
عماد السيد
350 مليار درهم خلال خمس سنوات، هذا هو حجم الكلفة الإضافية التي يضعها حزب الأصالة والمعاصرة «البام» لبرنامجه الانتخابي للفترة 2027–2031، أي نحو 70 مليار درهم سنوياً.
لكن المفاجأة ليست في حجم الوعود وحده.
المفاجأة أن الحزب يقول إن 300 مليار درهم من أصل الـ350 ملياراً ستأتي من الأثر الإضافي للنمو الاقتصادي.
بمعنى أبسط:
جزء كبير من البرنامج لا يموله المال الموجود اليوم، بل المال الذي يفترض أن ينتجه الاقتصاد غداً.
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي.
350 ملياراً.. ماذا يريد «البام» أن يشتري للمغاربة؟
البرنامج يقسم الإنفاق إلى أربعة مواثيق رئيسية.
150 مليار درهم للقدرة الشرائية:
إعفاء الأجور الإجمالية الأقل من 15 ألف درهم من ضريبة الدخل، رفع الحد الأدنى للمعاش إلى 3 آلاف درهم، زيادة الدعم المباشر تدريجياً إلى ألف درهم للأسر المستحقة، وإعفاء فواتير الكهرباء التي تقل عن 100 درهم شهرياً.
50 ملياراً للشباب:
دعم توظيف نحو 500 ألف شاب، مساعدة نحو 60 ألف مشروع شبابي، توفير 100 ألف حل سكني، والسعي إلى 125 ألف فرصة عمل قانونية بالخارج.
100 مليار درهم للصحة والعمل والسكن:
الهدف مليون فرصة عمل صافية، بناء أربعة مستشفيات جامعية، تحديث 1600 مركز صحي و90 مستشفى، ومساعدة 500 ألف أسرة على الحصول على سكن لائق.
أما 50 مليار درهم فتذهب إلى الأمن المائي والطاقة والغذاء، ومنها ست محطات لتحلية مياه البحر، ونحو 400 سد صغير ومنشأة لتجميع مياه الأمطار ومخزون وقود لثلاثة أشهر.

لكن هنا تبدأ المعادلة الصعبة: 300 مليار مرتبطة بالنمو
مصادر التمويل التي أعلنها البام واضحة:
• 300 مليار درهم من الأثر الإضافي للنمو.
• 40 ملياراً من مساهمة الجماعات الترابية عبر صندوق الضريبة على القيمة المضافة.
• 10 مليارات من إعادة تخصيص النفقات ورفع كفاءة الإنفاق.
أي أن 85.7% من التمويل المفترض للبرنامج مرتبط بالنمو الاقتصادي.
والحزب يبني الحساب على نمو سنوي متوسط قدره 5% بين 2027 و2031، مقابل نحو 3.7% خلال 2022–2025، مع إبقاء عجز الميزانية عند سقف 3% من الناتج، وخفض المديونية العمومية إلى 62% من الناتج بحلول 2031.
وهنا تحديداً تقع نقطة الاختبار.

5% ليست مجرد نسبة نمو.. إنها مصدر تمويل
إذا نما الاقتصاد بالسرعة التي يفترضها البرنامج، فإن الناتج الأكبر يعني نشاطاً اقتصادياً أكبر، وأرباحاً وأجوراً واستهلاكاً واستثمارات أكبر، وبالتالي قاعدة ضريبية أوسع.
لكن النمو الاقتصادي لا يتحول آلياً وبالكامل إلى إيرادات حكومية.
وهذه نقطة مهمة لأن أحدث التوقعات الرسمية لا تبني بالضرورة على 5%.
فوفق المعطيات الحكومية المنشورة في سبتمبر 2026، يُتوقع نمو الاقتصاد المغربي بنحو 4.1% في 2027، مع نمو القيمة المضافة غير الفلاحية بنحو 4.3% .
كما يتوقع صندوق النقد الدولي مساراً مالياً أكثر تحفظاً، مع عجز للحكومة المركزية يبلغ نحو 3.4% من الناتج في 2026 ويتراجع تدريجياً إلى 3% في 2031، ودين حكومي مركزي ينخفض من 67.1% من الناتج في نهاية 2025 إلى نحو 60.8% في 2031 في خط أساس الصندوق.
إذن الفارق بين 4.1% و5% ليس تفصيلاً محاسبياً.
إنه الفارق بين اقتصاد ينمو وفق التوقعات الحالية، واقتصاد يجب أن ينمو بسرعة أكبر كي يولد التمويل الذي يعتمد عليه البرنامج.

درهم مغربي
ماذا لو لم تأتِ الـ5%؟
هنا يمكن تصور ثلاثة مسارات، وهي سيناريوهات تحليلية وليست توقعات رسمية.
السيناريو الأول: النمو قريب من 5%
تتحسن الإيرادات، ويصبح تمويل جزء كبير من الالتزامات أكثر قابلية للإدارة، خصوصاً إذا استمر تحسن التحصيل الضريبي وضبط الإنفاق.
لكن حتى هنا ستبقى المشكلة في توقيت الأموال.
فالإنفاق الاجتماعي قد يبدأ فوراً، بينما العائد المالي من النمو يحتاج وقتاً حتى يظهر في الخزينة.
السيناريو الثاني: نمو بين 3.5% و4%
هنا تضيق المساحة المالية.
إيرادات أقل تعني حاجة أكبر إلى إعادة ترتيب الأولويات:
ما الذي ينفذ أولاً؟
وما الذي يؤجل؟
وما الذي يمول بالاقتراض؟
وهذا مهم خصوصاً مع استمرار الإنفاق الاستثماري الكبير في المغرب.
السيناريو الثالث: نمو ضعيف لعدة سنوات
هنا تصبح المعادلة أكثر حساسية:
نمو أضعف – إيرادات أقل – عجز أكبر – اقتراض أكبر – خدمة دين أعلى – مساحة أقل للإنفاق الاجتماعي والاستثماري.
وهذا هو الخطر الحقيقي في أي برنامج يعتمد بدرجة كبيرة على إيرادات مستقبلية غير مضمونة.

الشارع في المغرب
والدين؟ هنا تصبح الفاتورة طويلة الأجل
الاقتراض ليس بالضرورة مشكلة بحد ذاته.
الدولة تستطيع تمويل الإنفاق عبر سندات الخزينة محلياً، أو الاقتراض الخارجي، أو مؤسسات التمويل الدولية.
لكن المشكلة تظهر عندما يتحول الاقتراض من وسيلة لتمويل استثمار قادر على خلق نمو، إلى وسيلة لسد فجوة متكررة بين وعود الإنفاق والإيرادات الفعلية.
وفي هذه الحالة، لا يدفع الاقتصاد الفاتورة مرة واحدة.
يدفعها لاحقاً عبر فوائد وخدمة دين ومجال مالي أضيق.
وصندوق النقد يرى حالياً أن الدين الحكومي المركزي المغربي مستدام بدرجة عالية من الاحتمال، لكنه يشير أيضاً إلى أن توسيع الاستثمار والبنية التحتية يخلق التزامات ومخاطر مالية يجب إدارتها.
المفارقة الكبرى: البرنامج يريد خفض الدين في الوقت نفسه
«البام» لا يقول فقط: سننفق 350 مليار درهم.
بل يقول أيضاً:
سنمولها، ونحافظ على عجز لا يتجاوز 3%، ونخفض الدين إلى 62% من الناتج في 2031.
وهذا يجعل النمو بنسبة 5% حجر الزاوية في المعادلة كلها.
لأن البرنامج يحتاج في الوقت نفسه إلى:
إنفاق اجتماعي أكبر + استثمارات أكبر + إيرادات أعلى + عجز محدود + دين في مسار هابط.
كلها ممكنة نظرياً، لكن بشرط أن تعمل المحركات الاقتصادية والضريبية بالكفاءة التي يفترضها البرنامج.

السؤال الذي سيلاحق «البام» ليس: هل الوعود كبيرة؟
برنامج البام نفسه يقدّم أرقاماً وآليات تمويل واضحة.
لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الانتخابات:
هل يستطيع الاقتصاد المغربي أن يولد الـ300 مليار درهم الإضافية التي يعوّل عليها برنامج البام؟
وإذا جاء النمو عند 4% بدلاً من 5%، أو جاءت الإيرادات الضريبية أقل من المتوقع، فماذا سيحدث؟
هل يُعاد ترتيب وعود البام؟
هل يؤجل بعضها؟
هل ترتفع الضرائب أو الرسوم؟
أم تلجأ الخزينة إلى مزيد من الاقتراض؟
هنا تتحول الـ350 مليار درهم من رقم انتخابي لحزب البام إلى اختبار مالي.
فالوعود تُعلن اليوم.
أما فاتورتها الحقيقية، فيحددها غداً: النمو، والإيرادات، والعجز، والدين.





