• أكتوبر 29, 2026
  • أكتوبر 29, 2026

عماد السيد

يفتح المغرب ثلاثة مسارات لتأمين الطاقة.. لكن الاختبار الحقيقي هو تحويل الوعود الجيولوجية إلى إمدادات تجارية تخفف فاتورة الاستيراد

يعتزم المغرب ضخ نحو 9.21 مليار درهم، تعادل قرابة مليار دولار، في أنشطة استكشاف النفط والغاز حتى عام 2031، في محاولة لتقييم موارده الهيدروكربونية واكتشاف احتياطيات قابلة للاستغلال التجاري، بما قد يقلل اعتماده على الأسواق الخارجية.

وتعكس هيكلة التمويل اعتماداً أساسياً على الاستثمار الخاص؛ إذ يُتوقع أن تتحمل الشركات المحلية والأجنبية نحو 91% من الاستثمارات المرتقبة، مقابل مساهمة الجهات الحكومية، وفي مقدمتها المكتب الوطني للهيدروكربونات والمعادن.

ويأتي الرهان في وقت لا يمتلك فيه المغرب إنتاجاً محلياً يُذكر من النفط، فيما لا تزال كميات الغاز المستخرجة محدودة.

وبنهاية العام الماضي، كانت 11 شركة تعمل في أنشطة الاستكشاف على مساحة تبلغ 107 آلاف كيلومتر مربع، موزعة بين عشر رخص برية و30 رخصة بحرية.

لكن زيادة الإنفاق على التنقيب لا تعني بالضرورة اكتشاف احتياطيات اقتصادية؛ فالمسافة بين العثور على الغاز وبدء بيعه تتطلب استثمارات إضافية، وقرارات نهائية للتطوير، وبنية تحتية قادرة على نقله إلى المستهلكين.

غاز طبيعي

إنتاج الغاز يتراجع.. والواردات تسد فجوة الطلب

تظهر الأرقام حجم التحدي الذي تواجهه المملكة، فقد تراجعت حصة المكتب الوطني للهيدروكربونات والمعادن من إنتاج الغاز الطبيعي بنحو 21% خلال العام الماضي، إلى 20.14 مليون متر مكعب، نتيجة الاستنزاف التدريجي لاحتياطيات حوض الغرب وعدم حفر آبار جديدة.

وفي المقابل، يتجاوز استهلاك المغرب السنوي مليار متر مكعب، وفق البيانات الواردة في التقرير، ما يجعل الإنتاج المحلي الحالي غير كافٍ لتلبية الطلب الصناعي والكهربائي.

ويستورد المغرب الغاز الطبيعي المسال من الأسواق الدولية، ثم يعيد تغويزه في إسبانيا وينقله عبر أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي.

وقد ارتفعت الكميات المنقولة عبر الأنبوب بنسبة 7.9% خلال 2025، إلى نحو 890.1 مليون متر مكعب.

وتتجاوز أهمية هذه الإمدادات قطاع الكهرباء؛ إذ تعتمد عليها محطات التوليد، ومجموعة المكتب الشريف للفوسفاط في عمليات تجفيف الفوسفاط، إلى جانب صناعات الحديد والصلب والسيراميك.

وتكشف هذه المعادلة أن أمن الطاقة لا يتعلق بتوافر الوقود وحده، بل أيضاً بتكلفته وانعكاساته على تنافسية الصناعة والميزان التجاري.

موقع تندرارا الغاز الطبيعي في المغرب

موقع حفر في حقل تندرارا للغاز الطبيعي في المغرب

“أنشوا” و”تندرارا”.. هل تقترب الاكتشافات من مرحلة الإنتاج؟

يعوّل المغرب على مشروعين رئيسيين للغاز، بإمكانات إجمالية مقدرة بأكثر من 28 مليار متر مكعب، لكن هذه الأرقام تمثل موارد مقدرة وليست إنتاجاً متاحاً أو احتياطيات مؤكدة قابلة للاستخراج بالكامل.

الأول هو حقل “أنشوا” البحري على الساحل الأطلسي، الذي تُقدّر موارده بنحو 18 مليار متر مكعب، وتقود شركة “إنرجين” البريطانية جهود تطويره، مع تنفيذ عمليات حفر لجمع البيانات اللازمة لاتخاذ قرار استثماري نهائي.

أما المشروع الثاني، فهو حقل “تندرارا” البري شرق البلاد، الذي تُقدّر موارده بنحو 10.67 مليار متر مكعب.

وتمتلك شركة “مناجم” المغربية حصة 55% منه، إلى جانب “ساوند إنرجي”والمكتب الوطني للهيدروكربونات والمعادن.

وتكتسب هذه المشاريع أهمية إضافية مع توقع ارتفاع استهلاك الغاز إلى 1.7 مليار متر مكعب بنهاية العقد الجاري، ثم ثلاثة مليارات متر مكعب بحلول 2040، بحسب توقعات المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب.

وبالتالي، فإن نجاح المشروعين لن يقتصر على زيادة الإنتاج، بل قد يساعد في تقليص الاعتماد على الواردات وتوفير إمدادات للصناعات المحلية.

غير أن تحقيق ذلك يظل مرتبطاً بمواعيد التشغيل الفعلية وحجم الإنتاج التجاري وتكلفته.

أنبوب نيجيريا–المغرب.. رهان يتجاوز الحدود الوطنية

بالتوازي مع التنقيب المحلي، يراهن المغرب على مشروع أنبوب الغاز الأفريقي الأطلسي، الذي يستهدف ربط نيجيريا بالمملكة عبر عدد من دول غرب أفريقيا، قبل إتاحة نقل الإمدادات باتجاه أوروبا عبر البنية التحتية القائمة.

ويمتد المشروع المخطط له نحو 6800 كيلومتر، بطاقة نقل مستهدفة تصل إلى 30 مليار متر مكعب سنوياً، وبتكلفة تقديرية تبلغ 25 مليار دولار.

ويستهدف تزويد أسواق أفريقية بالغاز، مع تعزيز فرص وصول الإمدادات إلى المغرب وأوروبا.

ويمثل توقيع الاتفاق الحكومي الدولي بين الدول المعنية في يوليو الماضي خطوة ضمن مسار تطوير المشروع، لكن التنفيذ سيظل مرهوناً بالتمويل والتنسيق بين الدول واستكمال مراحل البناء والتشغيل.

ويستهدف المخطط بدء أولى عمليات التزويد بالغاز بحلول 2031.

الاختبار النهائي.. خفض فاتورة الطاقة لا زيادة المشروعات فقط

بلغت تكلفة واردات المنتجات الطاقية المغربية نحو121.9 مليار درهم، أو 12.5 مليار دولار، خلال العام الماضي، رغم انخفاضها 20% على أساس سنوي.

ويضع هذا الرقم الرهان المغربي في سياقه الاقتصادي: فكل زيادة مستدامة في الإنتاج المحلي قد تقلل التعرض لتقلبات الأسعار العالمية، لكنها لن تحقق وفورات تلقائية قبل دخول المشروعات مرحلة التشغيل وتنافس تكلفة إنتاجها مع تكلفة الاستيراد.

المغرب يراهن على ثلاثة مسارات متكاملة: اكتشاف النفط والغاز، وتطوير الحقول المحلية، وتنويع الإمدادات عبر أنبوب أفريقي.

أما معيار النجاح، فلن يكون حجم الاستثمارات أو الموارد المعلنة، بل كمية الغاز التي ستصل فعلياً إلى المصانع ومحطات الكهرباء، ومقدار ما ستوفره من فاتورة الطاقة.

عماد السيد

يفتح المغرب ثلاثة مسارات لتأمين الطاقة.. لكن الاختبار الحقيقي هو تحويل الوعود الجيولوجية إلى إمدادات تجارية تخفف فاتورة الاستيراد

يعتزم المغرب ضخ نحو 9.21 مليار درهم، تعادل قرابة مليار دولار، في أنشطة استكشاف النفط والغاز حتى عام 2031، في محاولة لتقييم موارده الهيدروكربونية واكتشاف احتياطيات قابلة للاستغلال التجاري، بما قد يقلل اعتماده على الأسواق الخارجية.

وتعكس هيكلة التمويل اعتماداً أساسياً على الاستثمار الخاص؛ إذ يُتوقع أن تتحمل الشركات المحلية والأجنبية نحو 91% من الاستثمارات المرتقبة، مقابل مساهمة الجهات الحكومية، وفي مقدمتها المكتب الوطني للهيدروكربونات والمعادن.

ويأتي الرهان في وقت لا يمتلك فيه المغرب إنتاجاً محلياً يُذكر من النفط، فيما لا تزال كميات الغاز المستخرجة محدودة.

وبنهاية العام الماضي، كانت 11 شركة تعمل في أنشطة الاستكشاف على مساحة تبلغ 107 آلاف كيلومتر مربع، موزعة بين عشر رخص برية و30 رخصة بحرية.

لكن زيادة الإنفاق على التنقيب لا تعني بالضرورة اكتشاف احتياطيات اقتصادية؛ فالمسافة بين العثور على الغاز وبدء بيعه تتطلب استثمارات إضافية، وقرارات نهائية للتطوير، وبنية تحتية قادرة على نقله إلى المستهلكين.

غاز طبيعي

إنتاج الغاز يتراجع.. والواردات تسد فجوة الطلب

تظهر الأرقام حجم التحدي الذي تواجهه المملكة، فقد تراجعت حصة المكتب الوطني للهيدروكربونات والمعادن من إنتاج الغاز الطبيعي بنحو 21% خلال العام الماضي، إلى 20.14 مليون متر مكعب، نتيجة الاستنزاف التدريجي لاحتياطيات حوض الغرب وعدم حفر آبار جديدة.

وفي المقابل، يتجاوز استهلاك المغرب السنوي مليار متر مكعب، وفق البيانات الواردة في التقرير، ما يجعل الإنتاج المحلي الحالي غير كافٍ لتلبية الطلب الصناعي والكهربائي.

ويستورد المغرب الغاز الطبيعي المسال من الأسواق الدولية، ثم يعيد تغويزه في إسبانيا وينقله عبر أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي.

وقد ارتفعت الكميات المنقولة عبر الأنبوب بنسبة 7.9% خلال 2025، إلى نحو 890.1 مليون متر مكعب.

وتتجاوز أهمية هذه الإمدادات قطاع الكهرباء؛ إذ تعتمد عليها محطات التوليد، ومجموعة المكتب الشريف للفوسفاط في عمليات تجفيف الفوسفاط، إلى جانب صناعات الحديد والصلب والسيراميك.

وتكشف هذه المعادلة أن أمن الطاقة لا يتعلق بتوافر الوقود وحده، بل أيضاً بتكلفته وانعكاساته على تنافسية الصناعة والميزان التجاري.

موقع تندرارا الغاز الطبيعي في المغرب

موقع حفر في حقل تندرارا للغاز الطبيعي في المغرب

“أنشوا” و”تندرارا”.. هل تقترب الاكتشافات من مرحلة الإنتاج؟

يعوّل المغرب على مشروعين رئيسيين للغاز، بإمكانات إجمالية مقدرة بأكثر من 28 مليار متر مكعب، لكن هذه الأرقام تمثل موارد مقدرة وليست إنتاجاً متاحاً أو احتياطيات مؤكدة قابلة للاستخراج بالكامل.

الأول هو حقل “أنشوا” البحري على الساحل الأطلسي، الذي تُقدّر موارده بنحو 18 مليار متر مكعب، وتقود شركة “إنرجين” البريطانية جهود تطويره، مع تنفيذ عمليات حفر لجمع البيانات اللازمة لاتخاذ قرار استثماري نهائي.

أما المشروع الثاني، فهو حقل “تندرارا” البري شرق البلاد، الذي تُقدّر موارده بنحو 10.67 مليار متر مكعب.

وتمتلك شركة “مناجم” المغربية حصة 55% منه، إلى جانب “ساوند إنرجي”والمكتب الوطني للهيدروكربونات والمعادن.

وتكتسب هذه المشاريع أهمية إضافية مع توقع ارتفاع استهلاك الغاز إلى 1.7 مليار متر مكعب بنهاية العقد الجاري، ثم ثلاثة مليارات متر مكعب بحلول 2040، بحسب توقعات المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب.

وبالتالي، فإن نجاح المشروعين لن يقتصر على زيادة الإنتاج، بل قد يساعد في تقليص الاعتماد على الواردات وتوفير إمدادات للصناعات المحلية.

غير أن تحقيق ذلك يظل مرتبطاً بمواعيد التشغيل الفعلية وحجم الإنتاج التجاري وتكلفته.

أنبوب نيجيريا–المغرب.. رهان يتجاوز الحدود الوطنية

بالتوازي مع التنقيب المحلي، يراهن المغرب على مشروع أنبوب الغاز الأفريقي الأطلسي، الذي يستهدف ربط نيجيريا بالمملكة عبر عدد من دول غرب أفريقيا، قبل إتاحة نقل الإمدادات باتجاه أوروبا عبر البنية التحتية القائمة.

ويمتد المشروع المخطط له نحو 6800 كيلومتر، بطاقة نقل مستهدفة تصل إلى 30 مليار متر مكعب سنوياً، وبتكلفة تقديرية تبلغ 25 مليار دولار.

ويستهدف تزويد أسواق أفريقية بالغاز، مع تعزيز فرص وصول الإمدادات إلى المغرب وأوروبا.

ويمثل توقيع الاتفاق الحكومي الدولي بين الدول المعنية في يوليو الماضي خطوة ضمن مسار تطوير المشروع، لكن التنفيذ سيظل مرهوناً بالتمويل والتنسيق بين الدول واستكمال مراحل البناء والتشغيل.

ويستهدف المخطط بدء أولى عمليات التزويد بالغاز بحلول 2031.

الاختبار النهائي.. خفض فاتورة الطاقة لا زيادة المشروعات فقط

بلغت تكلفة واردات المنتجات الطاقية المغربية نحو121.9 مليار درهم، أو 12.5 مليار دولار، خلال العام الماضي، رغم انخفاضها 20% على أساس سنوي.

ويضع هذا الرقم الرهان المغربي في سياقه الاقتصادي: فكل زيادة مستدامة في الإنتاج المحلي قد تقلل التعرض لتقلبات الأسعار العالمية، لكنها لن تحقق وفورات تلقائية قبل دخول المشروعات مرحلة التشغيل وتنافس تكلفة إنتاجها مع تكلفة الاستيراد.

المغرب يراهن على ثلاثة مسارات متكاملة: اكتشاف النفط والغاز، وتطوير الحقول المحلية، وتنويع الإمدادات عبر أنبوب أفريقي.

أما معيار النجاح، فلن يكون حجم الاستثمارات أو الموارد المعلنة، بل كمية الغاز التي ستصل فعلياً إلى المصانع ومحطات الكهرباء، ومقدار ما ستوفره من فاتورة الطاقة.

مليار دولار و28 مليار متر مكعب من الغاز.. هل يستطيع المغرب تأمين طاقته؟