عماد السيد
خلاف “بوديموس” و”الجبهة العريضة” على قوائم المرشحين يكشف أزمة أعمق داخل المعسكر اليساري في إسبانيا، ويضع قدرة بيدرو سانشيز على إعادة بناء أغلبيته البرلمانية أمام اختبار جديد.
لم يتمكن حزب “بوديموس” و”الجبهة العريضة” من الاتفاق على قوائم انتخابية وطنية مشتركة قبل انتهاء مهلة تسجيل التحالفات، في الانتخابات المبكرة المقررة في إسبانيا في 29 نوفمبر.
وبدلاً من خوض الانتخابات تحت مظلة موحدة، ستتنافس القوى اليسارية الواقعة إلى يسار الحزب الاشتراكي في معظم الدوائر بصورة منفصلة، مع ترتيبات مشتركة محدودة في بعض المناطق.
تمحورت الخلافات حول ترتيب المرشحين والمواقع القيادية، ولا سيما في مدريد وبرشلونة، فضلاً عن استقلالية التنظيمات الإقليمية وآليات اختيار المرشحين.
لكن أهمية الخلاف لا تتوقف عند توزيع المقاعد داخل الأحزاب.
فبيدرو سانشيز، زعيم الحزب الاشتراكي ورئيس الحكومة، يحتاج إلى دعم قوى اليسار الأخرى، إلى جانب الأحزاب الإقليمية، لتأمين أغلبية برلمانية تسمح له بمواصلة الحكم.
وبذلك، تتحول أزمة التنسيق بين حلفائه إلى مشكلة تتعلق بقدرة المعسكر الحكومي على تجميع الأصوات وبناء ائتلاف قابل للاستمرار.

مجلس نواب إسبانيا
لماذا يعاقب النظام الانتخابي الانقسام؟
يتألف مجلس النواب الإسباني من 350 مقعداً موزعة على 52 دائرة انتخابية، وتُوزع المقاعد في كل دائرة وفق طريقة دونت، مع عتبة قانونية تبلغ 3% من الأصوات الصحيحة في الدائرة المعنية.
عملياً، لا تتساوى قيمة الأصوات في تحويلها إلى مقاعد بين الدوائر. ففي المقاطعات الصغيرة، حيث لا يتجاوز عدد المقاعد المتاحة بضعة مقاعد، قد يؤدي انقسام الناخبين بين قائمتين متقاربتين إلى حرمانهما من مقعد كان يمكن لقائمة موحدة المنافسة عليه.
وفي انتخابات 2023، حصل تحالف “سومار” على نحو 12.3% من الأصوات و31 مقعداً.
أما الانتخابات المقبلة، فتأتي في ظل تراجع التماسك التنظيمي بين مكونات اليسار البديل، ما يجعل المقارنة بين مجموع الأصوات وعدد المقاعد أكثر أهمية من أي وقت مضى.
والأثر المحتمل مزدوج: خسارة تمثيل برلماني، وتراجع قدرة الأحزاب المتفرقة على التفاوض بوصفها كتلة سياسية واحدة بعد الانتخابات.

مجلس نواب إسبانيا
استطلاعات متباينة ويمين يعيد ترتيب حساباته
تُظهر استطلاعات أكتوبر تراجعاً نسبياً في وزن الاشتراكيين مقارنة بالحزب الشعبي، مع ارتفاع دعم “فوكس”.
ففي استطلاع مؤسسة 40″ دي بي” المنشور في 8 أكتوبر، حصل الحزب الشعبي على 31.9%، والاشتراكيون على 28.1%، و”فوكس” على18.9%.
وفي المقابل، سجل “سومار”5.3% و”بوديموس”2.3%.
هذه الأرقام لا تحسم توزيع المقاعد، لكنها توضح حجم التحدي الذي يواجه اليسار.
كما أن ضعف الأحزاب الصغيرة في استطلاعات الرأي قد يتحول إلى مشكلة أكبر عند توزيع المقاعد، خصوصاً إذا تفرقت أصواتها بين قوائم متنافسة.
وفي المعسكر المقابل، تبرز مسألة التنسيق بين الحزب الشعبي و”فوكس” بوصفها عاملاً مهماً في حسابات تشكيل الحكومة.
فحتى إذا تصدر الحزب الشعبي التصويت، فإن تشكيل أغلبية برلمانية سيعتمد على عدد المقاعد النهائي وطبيعة الاتفاقات السياسية بعد الانتخابات.

احتجاجات السكن في إسبانيا
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحكم في إسبانيا
السيناريو الأول:
حكومة يقودها الحزب الشعبي بدعم “فوكس”، إذا احتفظ الحزب الشعبي بتقدمه، وحصل “فوكس” على تمثيل برلماني مرتفع، فقد تتجه المفاوضات نحو تعاون بين الطرفين.
لكن شكل هذا التعاون، وشروطه السياسية، سيحددان مدى قدرتهما على تأمين أغلبية مستقرة.
السيناريو الثاني:
سانشيز يعيد بناء ائتلافه.. يحتاج هذا المسار إلى أداء اشتراكي يسمح بتجميع عدد كافٍ من المقاعد، وإلى تقليص خسائر الأحزاب الواقعة يسار الاشتراكيين، فضلاً عن اتفاقات مع القوى الإقليمية.
ويمكن أن تساعد تعبئة الناخبين حول السكن والسياسات الاجتماعية في المنافسة، لكنها لا تضمن وحدها استعادة الأغلبية.
السيناريو الثالث:
برلمان بلا أغلبية واضحة.. إذا لم يتمكن أي معسكر من جمع الدعم الكافي، فقد تدخل الأحزاب في مفاوضات مطولة لتشكيل حكومة ائتلافية أو أقلية.
وفي هذه الحالة، ستكتسب الأحزاب الإقليمية وزناً تفاوضياً أكبر، وقد تصبح قدرتها على دعم مرشح لرئاسة الحكومة عاملاً حاسماً.

انتخابات في إسبانيا
المعركة الحقيقية تبدأ بعد فرز الأصوات
تكشف أزمة اليسار الإسباني عن مشكلة مزدوجة: خلافات داخلية تمنع توحيد القوائم، ونظام انتخابي يجعل تكلفة هذا الانقسام متفاوتة بين الدوائر.
وهي مشكلة لا تخص الانتخابات وحدها، بل تمتد إلى قدرة الأحزاب على بناء تحالفات مستقرة بعد إعلان النتائج.
ومع اقتراب انتخابات 29 نوفمبر، ستتوقف ملامح المرحلة المقبلة على ثلاثة عوامل مترابطة: حجم المشاركة الشعبية، وقدرة الأحزاب على تحويل أصواتها إلى مقاعد، ثم استعداد القوى السياسية لتقديم تنازلات تسمح بتشكيل حكومة.
في النهاية لا يعني انقسام اليسار أن بقاء سانشيز في الحكم أصبح مستحيلاً، كما لا يعني تقدم الحزب الشعبي في الاستطلاعات أن تشكيل حكومة يمينية بات أمراً محسوماً.
لكنه يجعل المفاوضات اللاحقة أكثر تعقيداً، ويضع قدرة كل معسكر على بناء أغلبية برلمانية في قلب المعركة السياسية في إسبانيا.
عماد السيد
خلاف “بوديموس” و”الجبهة العريضة” على قوائم المرشحين يكشف أزمة أعمق داخل المعسكر اليساري في إسبانيا، ويضع قدرة بيدرو سانشيز على إعادة بناء أغلبيته البرلمانية أمام اختبار جديد.
لم يتمكن حزب “بوديموس” و”الجبهة العريضة” من الاتفاق على قوائم انتخابية وطنية مشتركة قبل انتهاء مهلة تسجيل التحالفات، في الانتخابات المبكرة المقررة في إسبانيا في 29 نوفمبر.
وبدلاً من خوض الانتخابات تحت مظلة موحدة، ستتنافس القوى اليسارية الواقعة إلى يسار الحزب الاشتراكي في معظم الدوائر بصورة منفصلة، مع ترتيبات مشتركة محدودة في بعض المناطق.
تمحورت الخلافات حول ترتيب المرشحين والمواقع القيادية، ولا سيما في مدريد وبرشلونة، فضلاً عن استقلالية التنظيمات الإقليمية وآليات اختيار المرشحين.
لكن أهمية الخلاف لا تتوقف عند توزيع المقاعد داخل الأحزاب.
فبيدرو سانشيز، زعيم الحزب الاشتراكي ورئيس الحكومة، يحتاج إلى دعم قوى اليسار الأخرى، إلى جانب الأحزاب الإقليمية، لتأمين أغلبية برلمانية تسمح له بمواصلة الحكم.
وبذلك، تتحول أزمة التنسيق بين حلفائه إلى مشكلة تتعلق بقدرة المعسكر الحكومي على تجميع الأصوات وبناء ائتلاف قابل للاستمرار.

مجلس نواب إسبانيا
لماذا يعاقب النظام الانتخابي الانقسام؟
يتألف مجلس النواب الإسباني من 350 مقعداً موزعة على 52 دائرة انتخابية، وتُوزع المقاعد في كل دائرة وفق طريقة دونت، مع عتبة قانونية تبلغ 3% من الأصوات الصحيحة في الدائرة المعنية.
عملياً، لا تتساوى قيمة الأصوات في تحويلها إلى مقاعد بين الدوائر. ففي المقاطعات الصغيرة، حيث لا يتجاوز عدد المقاعد المتاحة بضعة مقاعد، قد يؤدي انقسام الناخبين بين قائمتين متقاربتين إلى حرمانهما من مقعد كان يمكن لقائمة موحدة المنافسة عليه.
وفي انتخابات 2023، حصل تحالف “سومار” على نحو 12.3% من الأصوات و31 مقعداً.
أما الانتخابات المقبلة، فتأتي في ظل تراجع التماسك التنظيمي بين مكونات اليسار البديل، ما يجعل المقارنة بين مجموع الأصوات وعدد المقاعد أكثر أهمية من أي وقت مضى.
والأثر المحتمل مزدوج: خسارة تمثيل برلماني، وتراجع قدرة الأحزاب المتفرقة على التفاوض بوصفها كتلة سياسية واحدة بعد الانتخابات.

مجلس نواب إسبانيا
استطلاعات متباينة ويمين يعيد ترتيب حساباته
تُظهر استطلاعات أكتوبر تراجعاً نسبياً في وزن الاشتراكيين مقارنة بالحزب الشعبي، مع ارتفاع دعم “فوكس”.
ففي استطلاع مؤسسة 40″ دي بي” المنشور في 8 أكتوبر، حصل الحزب الشعبي على 31.9%، والاشتراكيون على 28.1%، و”فوكس” على18.9%.
وفي المقابل، سجل “سومار”5.3% و”بوديموس”2.3%.
هذه الأرقام لا تحسم توزيع المقاعد، لكنها توضح حجم التحدي الذي يواجه اليسار.
كما أن ضعف الأحزاب الصغيرة في استطلاعات الرأي قد يتحول إلى مشكلة أكبر عند توزيع المقاعد، خصوصاً إذا تفرقت أصواتها بين قوائم متنافسة.
وفي المعسكر المقابل، تبرز مسألة التنسيق بين الحزب الشعبي و”فوكس” بوصفها عاملاً مهماً في حسابات تشكيل الحكومة.
فحتى إذا تصدر الحزب الشعبي التصويت، فإن تشكيل أغلبية برلمانية سيعتمد على عدد المقاعد النهائي وطبيعة الاتفاقات السياسية بعد الانتخابات.

احتجاجات السكن في إسبانيا
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحكم في إسبانيا
السيناريو الأول:
حكومة يقودها الحزب الشعبي بدعم “فوكس”، إذا احتفظ الحزب الشعبي بتقدمه، وحصل “فوكس” على تمثيل برلماني مرتفع، فقد تتجه المفاوضات نحو تعاون بين الطرفين.
لكن شكل هذا التعاون، وشروطه السياسية، سيحددان مدى قدرتهما على تأمين أغلبية مستقرة.
السيناريو الثاني:
سانشيز يعيد بناء ائتلافه.. يحتاج هذا المسار إلى أداء اشتراكي يسمح بتجميع عدد كافٍ من المقاعد، وإلى تقليص خسائر الأحزاب الواقعة يسار الاشتراكيين، فضلاً عن اتفاقات مع القوى الإقليمية.
ويمكن أن تساعد تعبئة الناخبين حول السكن والسياسات الاجتماعية في المنافسة، لكنها لا تضمن وحدها استعادة الأغلبية.
السيناريو الثالث:
برلمان بلا أغلبية واضحة.. إذا لم يتمكن أي معسكر من جمع الدعم الكافي، فقد تدخل الأحزاب في مفاوضات مطولة لتشكيل حكومة ائتلافية أو أقلية.
وفي هذه الحالة، ستكتسب الأحزاب الإقليمية وزناً تفاوضياً أكبر، وقد تصبح قدرتها على دعم مرشح لرئاسة الحكومة عاملاً حاسماً.

انتخابات في إسبانيا
المعركة الحقيقية تبدأ بعد فرز الأصوات
تكشف أزمة اليسار الإسباني عن مشكلة مزدوجة: خلافات داخلية تمنع توحيد القوائم، ونظام انتخابي يجعل تكلفة هذا الانقسام متفاوتة بين الدوائر.
وهي مشكلة لا تخص الانتخابات وحدها، بل تمتد إلى قدرة الأحزاب على بناء تحالفات مستقرة بعد إعلان النتائج.
ومع اقتراب انتخابات 29 نوفمبر، ستتوقف ملامح المرحلة المقبلة على ثلاثة عوامل مترابطة: حجم المشاركة الشعبية، وقدرة الأحزاب على تحويل أصواتها إلى مقاعد، ثم استعداد القوى السياسية لتقديم تنازلات تسمح بتشكيل حكومة.
في النهاية لا يعني انقسام اليسار أن بقاء سانشيز في الحكم أصبح مستحيلاً، كما لا يعني تقدم الحزب الشعبي في الاستطلاعات أن تشكيل حكومة يمينية بات أمراً محسوماً.
لكنه يجعل المفاوضات اللاحقة أكثر تعقيداً، ويضع قدرة كل معسكر على بناء أغلبية برلمانية في قلب المعركة السياسية في إسبانيا.





