عماد السيد

واشنطن وبكين في قلب معادلة التمويل، والمتأخرات تكشف هشاشة اعتماد الأمم المتحدة على عدد محدود من كبار الممولين

ميزانية بالمليارات.. لكن الأموال لا تصل في موعدها

كيف يمكن لمنظمة تضم 193 دولة، وتدير عمليات دبلوماسية وإنسانية وحفظ سلام حول العالم، أن تواجه نقصًا في السيولة رغم امتلاكها ميزانية معتمدة ومصادر تمويل متعددة؟

المفارقة أن الأزمة لا تتعلق فقط بحجم الأموال التي تحتاج إليها الأمم المتحدة، بل بموعد وصولها أيضًا.

فالدول الأعضاء تقر الموازنات وتتعهد بتغطية تكاليفها، لكن تأخر سداد المساهمات الإلزامية يترك المنظمة أمام فجوة بين النفقات المعتمدة والأموال المتاحة فعليًا.

وتتقدم الولايات المتحدة والصين المشهد المالي؛ إذ تبلغ حصة واشنطن نحو 22% من الميزانية العادية، مقابل نحو 20% لبكين.

وعندما تتأخر دولتان بهذا الوزن عن السداد، لا يكون التأثير محصورًا في الحسابات، بل يمتد إلى قدرة المنظمة على تنفيذ مهامها في الوقت المحدد.

وتكشف هذه الأزمة عن نقطة ضعف جوهرية: إقرار الميزانية لا يعني توافر السيولة اللازمة لتنفيذها.

ثلاثة مسارات للتمويل.. وثلاثة مستويات من التأثير

لا تعتمد الأمم المتحدة على مصدر مالي واحد، بل تقوم منظومتها التمويلية على ثلاثة مسارات رئيسية، تختلف في طبيعتها والأنشطة التي تغطيها.

• المساهمات الإلزامية: مبالغ تفرض على الدول الأعضاء وفق مقياس تقييم يعتمد أساسًا على قدرتها الاقتصادية، وتُستخدم لتمويل الميزانية العادية، إلى جانب مساهمات مخصصة لعمليات حفظ السلام.

• التبرعات الطوعية: أموال تقدمها الحكومات والجهات المانحة باختيارها، وتمثل مصدرًا رئيسيًا لتمويل برامج التنمية والإغاثة والصحة وحقوق الإنسان.

• الموازنات المخصصة لحفظ السلام: تمويل منفصل تُحدد مساهمات الدول فيه وفق مقياس خاص، ويغطي تكاليف البعثات الأممية.

وتشير التقديرات الواردة في بيانات منظومة الأمم المتحدة إلى أن نحو ثلاثة أرباع تمويلها يأتي من المساهمات الطوعية.

وهذا يعني أن التمويل لا يحدد فقط حجم الموارد المتاحة، بل يؤثر أيضًا في قدرة الوكالات على التخطيط؛ فالتبرعات قد تكون مخصصة لبرامج بعينها، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها أموالًا حرة لسد أي عجز.

وبذلك، فإن أزمة السيولة في الميزانية العادية لا يمكن حلها تلقائيًا باستخدام أموال مخصصة لبرنامج إنساني أو وكالة أخرى.

الأمم المتحدة

الأمم المتحدة

فاتورة واشنطن تتجاوز 4 مليارات دولار

بلغت متأخرات الولايات المتحدة للميزانية العادية وعمليات حفظ السلام نحو 4.3 مليار دولار في 30 أبريل 2026، وفق بيانات نقلها تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي.

لكن الصورة تغيرت جزئيًا في سبتمبر، عندما سددت واشنطن 725 مليون دولار للميزانية العادية و102 مليون دولار لحفظ السلام.

ورغم هذه الدفعة، ظلت مستحقات غير مدفوعة للميزانية العادية تبلغ نحو 1.312 مليار دولار.

وفي 30 سبتمبر 2026، بلغت المتأخرات المستحقة لعمليات حفظ السلام نحو 4.1 مليار دولار، منها قرابة 2.96 مليار دولار على الولايات المتحدة و679 مليون دولار على الصين.

أما المتأخرات الإجمالية للميزانية العادية فبلغت نحو 2.8 مليار دولار في نهاية أبريل، وفق أحدث البيانات المنشورة عن تلك الفترة.

المشكلة إذن ليست أن التمويل اختفى بالكامل، بل أن الأموال تصل بصورة غير منتظمة، فيما تستمر الالتزامات التشغيلية.

وقد أعلنت الأمم المتحدة في أكتوبر أن التحصيل تجاوز التوقعات في بعض الفترات، لكن تقلب التدفقات النقدية وانخفاض الرصيد المتاح ظلا يعوقان التخطيط المالي.

الأمم المتحدة

قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة

من يدفع ثمن الأزمة؟

تمنح المساهمات الإلزامية الدول أوزانًا مالية مختلفة، لكنها لا تمنح أي دولة تلقائيًا حق التحكم في قرارات المنظمة.

أما التبرعات الطوعية، فيمكن أن تمنح المانحين تأثيرًا عمليًا أكبر في البرامج التي يختارون تمويلها.

وتبرز هنا ثلاث نتائج مباشرة للأزمة:

• حفظ السلام: تأخر التمويل يضغط على قدرة البعثات على تنفيذ مهامها، من مراقبة وقف إطلاق النار إلى حماية المدنيين.

• البرامج الإنسانية والتنموية: يؤدي تراجع التبرعات أو تخصيصها لأغراض محددة إلى صعوبة تمويل الاحتياجات المتزايدة والتخطيط طويل الأجل.

• الأمانة العامة: يفرض نقص السيولة تأجيل بعض الأنشطة والتعيينات، وترشيد الإنفاق، واللجوء إلى احتياطيات وصناديق تمويل مؤقتة.

وفي يونيو 2026، أقرت الجمعية العامة تعديلًا ماليًا يستهدف تخفيف بعض الضغوط على المنظمة، لكنه لا يعالج المشكلة الأساسية المتمثلة في عدم دفع الدول مستحقاتها كاملة وفي موعدها.

الجمعية العامة للأمم المتحدة

الخطر الأكبر.. ميزانية معتمدة بلا سيولة كافية

تواجه الأمم المتحدة معادلة صعبة: الدول الأعضاء تقر المهام والميزانيات، لكن المنظمة لا تستطيع تنفيذ كل ما أُقر إذا لم تصل المساهمات في الوقت المناسب.

لا تعتمد الأزمة على حجم المساهمات وحده، بل على انتظامها أيضًا. فالولايات المتحدة تظل صاحبة الحصة الإلزامية الأكبر، والصين ثاني أكبر مساهم، فيما توفر التبرعات الطوعية جانبًا واسعًا من تمويل البرامج.

وإذا استمر التأخر، فستظل المنظمة مضطرة إلى المفاضلة بين الإنفاق وتأجيل المهام، بينما تصبح قدرتها على الاستجابة للأزمات أقل قابلية للتنبؤ.

وتكشف هذه الأزمة أن إصلاح قواعد التمويل قد يخفف الضغط، لكن استقرار الأمم المتحدة المالي يظل مرتبطًا بالتزام الدول نفسها بسداد الفواتير التي وافقت عليها.

عماد السيد

واشنطن وبكين في قلب معادلة التمويل، والمتأخرات تكشف هشاشة اعتماد الأمم المتحدة على عدد محدود من كبار الممولين

ميزانية بالمليارات.. لكن الأموال لا تصل في موعدها

كيف يمكن لمنظمة تضم 193 دولة، وتدير عمليات دبلوماسية وإنسانية وحفظ سلام حول العالم، أن تواجه نقصًا في السيولة رغم امتلاكها ميزانية معتمدة ومصادر تمويل متعددة؟

المفارقة أن الأزمة لا تتعلق فقط بحجم الأموال التي تحتاج إليها الأمم المتحدة، بل بموعد وصولها أيضًا.

فالدول الأعضاء تقر الموازنات وتتعهد بتغطية تكاليفها، لكن تأخر سداد المساهمات الإلزامية يترك المنظمة أمام فجوة بين النفقات المعتمدة والأموال المتاحة فعليًا.

وتتقدم الولايات المتحدة والصين المشهد المالي؛ إذ تبلغ حصة واشنطن نحو 22% من الميزانية العادية، مقابل نحو 20% لبكين.

وعندما تتأخر دولتان بهذا الوزن عن السداد، لا يكون التأثير محصورًا في الحسابات، بل يمتد إلى قدرة المنظمة على تنفيذ مهامها في الوقت المحدد.

وتكشف هذه الأزمة عن نقطة ضعف جوهرية: إقرار الميزانية لا يعني توافر السيولة اللازمة لتنفيذها.

ثلاثة مسارات للتمويل.. وثلاثة مستويات من التأثير

لا تعتمد الأمم المتحدة على مصدر مالي واحد، بل تقوم منظومتها التمويلية على ثلاثة مسارات رئيسية، تختلف في طبيعتها والأنشطة التي تغطيها.

• المساهمات الإلزامية: مبالغ تفرض على الدول الأعضاء وفق مقياس تقييم يعتمد أساسًا على قدرتها الاقتصادية، وتُستخدم لتمويل الميزانية العادية، إلى جانب مساهمات مخصصة لعمليات حفظ السلام.

• التبرعات الطوعية: أموال تقدمها الحكومات والجهات المانحة باختيارها، وتمثل مصدرًا رئيسيًا لتمويل برامج التنمية والإغاثة والصحة وحقوق الإنسان.

• الموازنات المخصصة لحفظ السلام: تمويل منفصل تُحدد مساهمات الدول فيه وفق مقياس خاص، ويغطي تكاليف البعثات الأممية.

وتشير التقديرات الواردة في بيانات منظومة الأمم المتحدة إلى أن نحو ثلاثة أرباع تمويلها يأتي من المساهمات الطوعية.

وهذا يعني أن التمويل لا يحدد فقط حجم الموارد المتاحة، بل يؤثر أيضًا في قدرة الوكالات على التخطيط؛ فالتبرعات قد تكون مخصصة لبرامج بعينها، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها أموالًا حرة لسد أي عجز.

وبذلك، فإن أزمة السيولة في الميزانية العادية لا يمكن حلها تلقائيًا باستخدام أموال مخصصة لبرنامج إنساني أو وكالة أخرى.

الأمم المتحدة

الأمم المتحدة

فاتورة واشنطن تتجاوز 4 مليارات دولار

بلغت متأخرات الولايات المتحدة للميزانية العادية وعمليات حفظ السلام نحو 4.3 مليار دولار في 30 أبريل 2026، وفق بيانات نقلها تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي.

لكن الصورة تغيرت جزئيًا في سبتمبر، عندما سددت واشنطن 725 مليون دولار للميزانية العادية و102 مليون دولار لحفظ السلام.

ورغم هذه الدفعة، ظلت مستحقات غير مدفوعة للميزانية العادية تبلغ نحو 1.312 مليار دولار.

وفي 30 سبتمبر 2026، بلغت المتأخرات المستحقة لعمليات حفظ السلام نحو 4.1 مليار دولار، منها قرابة 2.96 مليار دولار على الولايات المتحدة و679 مليون دولار على الصين.

أما المتأخرات الإجمالية للميزانية العادية فبلغت نحو 2.8 مليار دولار في نهاية أبريل، وفق أحدث البيانات المنشورة عن تلك الفترة.

المشكلة إذن ليست أن التمويل اختفى بالكامل، بل أن الأموال تصل بصورة غير منتظمة، فيما تستمر الالتزامات التشغيلية.

وقد أعلنت الأمم المتحدة في أكتوبر أن التحصيل تجاوز التوقعات في بعض الفترات، لكن تقلب التدفقات النقدية وانخفاض الرصيد المتاح ظلا يعوقان التخطيط المالي.

الأمم المتحدة

قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة

من يدفع ثمن الأزمة؟

تمنح المساهمات الإلزامية الدول أوزانًا مالية مختلفة، لكنها لا تمنح أي دولة تلقائيًا حق التحكم في قرارات المنظمة.

أما التبرعات الطوعية، فيمكن أن تمنح المانحين تأثيرًا عمليًا أكبر في البرامج التي يختارون تمويلها.

وتبرز هنا ثلاث نتائج مباشرة للأزمة:

• حفظ السلام: تأخر التمويل يضغط على قدرة البعثات على تنفيذ مهامها، من مراقبة وقف إطلاق النار إلى حماية المدنيين.

• البرامج الإنسانية والتنموية: يؤدي تراجع التبرعات أو تخصيصها لأغراض محددة إلى صعوبة تمويل الاحتياجات المتزايدة والتخطيط طويل الأجل.

• الأمانة العامة: يفرض نقص السيولة تأجيل بعض الأنشطة والتعيينات، وترشيد الإنفاق، واللجوء إلى احتياطيات وصناديق تمويل مؤقتة.

وفي يونيو 2026، أقرت الجمعية العامة تعديلًا ماليًا يستهدف تخفيف بعض الضغوط على المنظمة، لكنه لا يعالج المشكلة الأساسية المتمثلة في عدم دفع الدول مستحقاتها كاملة وفي موعدها.

الجمعية العامة للأمم المتحدة

الخطر الأكبر.. ميزانية معتمدة بلا سيولة كافية

تواجه الأمم المتحدة معادلة صعبة: الدول الأعضاء تقر المهام والميزانيات، لكن المنظمة لا تستطيع تنفيذ كل ما أُقر إذا لم تصل المساهمات في الوقت المناسب.

لا تعتمد الأزمة على حجم المساهمات وحده، بل على انتظامها أيضًا. فالولايات المتحدة تظل صاحبة الحصة الإلزامية الأكبر، والصين ثاني أكبر مساهم، فيما توفر التبرعات الطوعية جانبًا واسعًا من تمويل البرامج.

وإذا استمر التأخر، فستظل المنظمة مضطرة إلى المفاضلة بين الإنفاق وتأجيل المهام، بينما تصبح قدرتها على الاستجابة للأزمات أقل قابلية للتنبؤ.

وتكشف هذه الأزمة أن إصلاح قواعد التمويل قد يخفف الضغط، لكن استقرار الأمم المتحدة المالي يظل مرتبطًا بالتزام الدول نفسها بسداد الفواتير التي وافقت عليها.

الأمم المتحدة.. كيف تهدد مليارات متأخرة عملياتها حول العالم