راديو أوريان 

عاد ملف عقوبة الإعدام في الجزائر إلى قلب الجدل السياسي والحقوقي، بعد أكثر من ثلاثة عقود لم تشهد خلالها البلاد تنفيذ حكم بالإعدام، رغم بقاء العقوبة ضمن التشريع وصدور أحكام بها في بعض القضايا الخطيرة.

الجدل هذه المرة لا يتعلق بمطالبة شعبية عابرة أعقبت جريمة أثارت الرأي العام، بل بخطوة رسمية يقودها الرئيس عبد المجيد تبون، الذي وجّه بتعديل قانون العقوبات بما يسمح بتنفيذ عقوبة الإعدام في الجزائر بحق مرتكبي جرائم محددة، في مقدمتها الحرائق المتعمدة، إلى جانب خاطفي القُصّر ومرتكبي الاعتداءات الخطيرة بحقهم.

وأكد بيان لمجلس الوزراء في 6 سبتمبر أن التوجيه يشمل كذلك المحرضين أو المدبرين للحرائق المتعمدة.

الإعدام في الجزائر

من الحرائق إلى حبل الإعدام

جاء التحرك بعد موجة حرائق مدمرة ضربت مناطق جزائرية، خصوصًا ولاية جيجل، وخلفت خسائر بشرية وبيئية ومادية كبيرة.

وفي خضم الأزمة، تحدث تبون عن احتمال وجود “أيادٍ إجرامية”، مع إقراره في الوقت نفسه بالعوامل المناخية التي تزيد مخاطر الحرائق، وأعلن فتح تحقيقات لتحديد المسؤوليات.

لكن الرئيس الجزائري ذهب أبعد من تشديد العقوبات، فأمر في 30 أغسطس وزير العدل بإعداد تعديل لقانون العقوبات قبل 15 سبتمبر يسمح بالعودة إلى التنفيذ الفعلي لعقوبة الإعدام في الجزائر بحق المتورطين في إشعال الحرائق عمدًا.

وبعد أسبوع، وسّع مجلس الوزراء الإطار ليشمل خاطفي القُصّر ومن يرتكبون اعتداءات خطيرة بحقهم.

وهنا تكمن النقطة القانونية الأهم: الجزائر لا تعيد عقوبة الإعدام إلى قانونها من الصفر، لأنها لم تلغها أصلًا. فالعقوبة بقيت مدرجة في قانون العقوبات، ومن ذلك أن المادة 399 تنص على الإعدام إذا أدى الحريق المتعمد إلى وفاة شخص أو أكثر.

الجديد هو الاتجاه نحو كسر التجميد الفعلي للتنفيذ المستمر منذ 1993.

عقوبة الإعدام

33 عامًا بلا تنفيذ عقوبة الإعدام

يعود آخر تنفيذ معروف لعقوبة الإعدام في الجزائر إلى 1993، عندما أُعدم مدانون في قضية الهجوم على مطار هواري بومدين.

ومنذ ذلك التاريخ استمر القضاء في إصدار أحكام بالإعدام في قضايا معينة، لكن السلطات امتنعت فعليًا عن تنفيذها.

وتضع منظمة العفو الدولية الجزائر ضمن الدول التي أبقت عقوبة الإعدام في القانون لكنها ألغتها في الممارسة الفعلية.

وفي 2024، على سبيل المثال، سجلت المنظمة ثمانية أحكام بعقوبة الإعدام في الجزائر، مقابل صفر عمليات تنفيذ، وكان هناك ما لا يقل عن 262 شخصًا معروفًا أنهم تحت طائلة أحكام الإعدام بنهاية ذلك العام.

الأكثر إثارة للجدل أن الجزائر كانت طوال السنوات الماضية مؤيدة دوليًا لمسار وقف التنفيذ؛ فقد صوتت في ديسمبر 2024 لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الداعي إلى وقف استخدام عقوبة الإعدام تمهيدًا لإلغائها.

وبالتالي فإن العودة إلى تنفيذ الإعدام في الجزائر ستمثل تحولًا واضحًا عن السياسة التي اتبعتها الجزائر لأكثر من ثلاثة عقود.

 

المؤيدون: جرائم استثنائية تحتاج إلى عقوبة استثنائية

في المعسكر المؤيد، لقي موقف تبون دعمًا من أحزاب مساندة للرئيس ومن قوى إسلامية، كما تحدثت وكالة الأنباء الجزائرية عن ترحيب من قانونيين وفاعلين في المجتمع المدني بالقرار المتعلق بمرتكبي الحرائق المتعمدة.

وتقوم حجة المؤيدين أساسًا على أن الجرائم المستهدفة ليست جرائم عادية؛ فإشعال حريق متعمد يمكن أن يقتل عشرات الأشخاص ويدمر قرى ومساحات طبيعية واسعة، بينما تمثل جرائم خطف الأطفال والاعتداء عليهم إحدى أكثر القضايا حساسية لدى المجتمع الجزائري.

ويرى أنصار التنفيذ أن السجن، حتى المؤبد، قد لا يمثل عقوبة متناسبة مع جسامة بعض هذه الجرائم، وأن الدولة تحتاج إلى أقصى درجات الردع عندما يتعلق الأمر بجرائم متعمدة يمكن أن تسفر عن خسائر بشرية واسعة أو تستهدف الأطفال.

وهذا الجدل ليس جديدًا في الجزائر. فقد عادت المطالبات بتنفيذ الإعدام في الجزائر مرارًا خلال السنوات الماضية عقب جرائم خطف وقتل أطفال أثارت غضبًا اجتماعيًا واسعًا، وظل السؤال نفسه مطروحًا: هل يكفي أن ينص القانون على العقوبة إذا كان المحكوم عليهم يعرفون مسبقًا أنها لن تُنفذ؟

الشارع في الجزائر

المعارضون: الإعدام لا يمكن التراجع عنه

على الجانب الآخر، تعارض قوى محسوبة على التيار الديمقراطي ومنظمات حقوقية العودة إلى التنفيذ، وترى فيها تراجعًا عن مسار استمر منذ 1993.

وبرزت أيضًا انتقادات سياسية تعتبر أن التركيز على العقوبة لا ينبغي أن يحجب النقاش حول إدارة الكوارث والوقاية منها والمسؤولية عن التعامل مع الحرائق.

وتستند الحجة الحقوقية الأساسية إلى طبيعة عقوبة الإعدام نفسها: فإذا وقع خطأ قضائي بعد التنفيذ، يصبح تصحيحه مستحيلًا. لذلك يطالب المعارضون بعقوبات مشددة، قد تصل إلى السجن المؤبد، بدل عقوبة لا يمكن الرجوع عنها.

كما يأتي النقاش الجزائري في اتجاه معاكس لمسار دولي متزايد نحو وقف التنفيذ؛ ففي ديسمبر 2024 صوتت 130 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح قرار يدعو إلى وقف عمليات الإعدام تمهيدًا لإلغاء العقوبة، مقابل 32 دولة عارضته و22 امتنعت عن التصويت.

بين الردع والحقوق.. معركة أبعد من القانون

لكن الخلاف الجزائري يتجاوز في جوهره النص القانوني. فالمؤيدون ينطلقون من حق الضحايا والمجتمع في القصاص والردع، بينما ينطلق المعارضون من الحق في الحياة وخطر الخطأ القضائي وعدم قابلية العقوبة للتراجع.

وتزيد حساسية القضية لأن العودة إلى تنفيذ الإعدام في الجزائر لن تكون مجرد تشديد لعقوبة جنائية، وإنما ستعني عمليًا إنهاء سياسة استمرت نحو 33 عامًا، وتحويل الجزائر من دولة تُبقي الإعدام في قوانينها من دون تنفيذه إلى دولة تستأنف تطبيق العقوبة فعليًا.

راديو أوريان 

عاد ملف عقوبة الإعدام في الجزائر إلى قلب الجدل السياسي والحقوقي، بعد أكثر من ثلاثة عقود لم تشهد خلالها البلاد تنفيذ حكم بالإعدام، رغم بقاء العقوبة ضمن التشريع وصدور أحكام بها في بعض القضايا الخطيرة.

الجدل هذه المرة لا يتعلق بمطالبة شعبية عابرة أعقبت جريمة أثارت الرأي العام، بل بخطوة رسمية يقودها الرئيس عبد المجيد تبون، الذي وجّه بتعديل قانون العقوبات بما يسمح بتنفيذ عقوبة الإعدام في الجزائر بحق مرتكبي جرائم محددة، في مقدمتها الحرائق المتعمدة، إلى جانب خاطفي القُصّر ومرتكبي الاعتداءات الخطيرة بحقهم.

وأكد بيان لمجلس الوزراء في 6 سبتمبر أن التوجيه يشمل كذلك المحرضين أو المدبرين للحرائق المتعمدة.

الإعدام في الجزائر

من الحرائق إلى حبل الإعدام

جاء التحرك بعد موجة حرائق مدمرة ضربت مناطق جزائرية، خصوصًا ولاية جيجل، وخلفت خسائر بشرية وبيئية ومادية كبيرة.

وفي خضم الأزمة، تحدث تبون عن احتمال وجود “أيادٍ إجرامية”، مع إقراره في الوقت نفسه بالعوامل المناخية التي تزيد مخاطر الحرائق، وأعلن فتح تحقيقات لتحديد المسؤوليات.

لكن الرئيس الجزائري ذهب أبعد من تشديد العقوبات، فأمر في 30 أغسطس وزير العدل بإعداد تعديل لقانون العقوبات قبل 15 سبتمبر يسمح بالعودة إلى التنفيذ الفعلي لعقوبة الإعدام في الجزائر بحق المتورطين في إشعال الحرائق عمدًا.

وبعد أسبوع، وسّع مجلس الوزراء الإطار ليشمل خاطفي القُصّر ومن يرتكبون اعتداءات خطيرة بحقهم.

وهنا تكمن النقطة القانونية الأهم: الجزائر لا تعيد عقوبة الإعدام إلى قانونها من الصفر، لأنها لم تلغها أصلًا. فالعقوبة بقيت مدرجة في قانون العقوبات، ومن ذلك أن المادة 399 تنص على الإعدام إذا أدى الحريق المتعمد إلى وفاة شخص أو أكثر.

الجديد هو الاتجاه نحو كسر التجميد الفعلي للتنفيذ المستمر منذ 1993.

عقوبة الإعدام

33 عامًا بلا تنفيذ عقوبة الإعدام

يعود آخر تنفيذ معروف لعقوبة الإعدام في الجزائر إلى 1993، عندما أُعدم مدانون في قضية الهجوم على مطار هواري بومدين.

ومنذ ذلك التاريخ استمر القضاء في إصدار أحكام بالإعدام في قضايا معينة، لكن السلطات امتنعت فعليًا عن تنفيذها.

وتضع منظمة العفو الدولية الجزائر ضمن الدول التي أبقت عقوبة الإعدام في القانون لكنها ألغتها في الممارسة الفعلية.

وفي 2024، على سبيل المثال، سجلت المنظمة ثمانية أحكام بعقوبة الإعدام في الجزائر، مقابل صفر عمليات تنفيذ، وكان هناك ما لا يقل عن 262 شخصًا معروفًا أنهم تحت طائلة أحكام الإعدام بنهاية ذلك العام.

الأكثر إثارة للجدل أن الجزائر كانت طوال السنوات الماضية مؤيدة دوليًا لمسار وقف التنفيذ؛ فقد صوتت في ديسمبر 2024 لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الداعي إلى وقف استخدام عقوبة الإعدام تمهيدًا لإلغائها.

وبالتالي فإن العودة إلى تنفيذ الإعدام في الجزائر ستمثل تحولًا واضحًا عن السياسة التي اتبعتها الجزائر لأكثر من ثلاثة عقود.

 

المؤيدون: جرائم استثنائية تحتاج إلى عقوبة استثنائية

في المعسكر المؤيد، لقي موقف تبون دعمًا من أحزاب مساندة للرئيس ومن قوى إسلامية، كما تحدثت وكالة الأنباء الجزائرية عن ترحيب من قانونيين وفاعلين في المجتمع المدني بالقرار المتعلق بمرتكبي الحرائق المتعمدة.

وتقوم حجة المؤيدين أساسًا على أن الجرائم المستهدفة ليست جرائم عادية؛ فإشعال حريق متعمد يمكن أن يقتل عشرات الأشخاص ويدمر قرى ومساحات طبيعية واسعة، بينما تمثل جرائم خطف الأطفال والاعتداء عليهم إحدى أكثر القضايا حساسية لدى المجتمع الجزائري.

ويرى أنصار التنفيذ أن السجن، حتى المؤبد، قد لا يمثل عقوبة متناسبة مع جسامة بعض هذه الجرائم، وأن الدولة تحتاج إلى أقصى درجات الردع عندما يتعلق الأمر بجرائم متعمدة يمكن أن تسفر عن خسائر بشرية واسعة أو تستهدف الأطفال.

وهذا الجدل ليس جديدًا في الجزائر. فقد عادت المطالبات بتنفيذ الإعدام في الجزائر مرارًا خلال السنوات الماضية عقب جرائم خطف وقتل أطفال أثارت غضبًا اجتماعيًا واسعًا، وظل السؤال نفسه مطروحًا: هل يكفي أن ينص القانون على العقوبة إذا كان المحكوم عليهم يعرفون مسبقًا أنها لن تُنفذ؟

الشارع في الجزائر

المعارضون: الإعدام لا يمكن التراجع عنه

على الجانب الآخر، تعارض قوى محسوبة على التيار الديمقراطي ومنظمات حقوقية العودة إلى التنفيذ، وترى فيها تراجعًا عن مسار استمر منذ 1993.

وبرزت أيضًا انتقادات سياسية تعتبر أن التركيز على العقوبة لا ينبغي أن يحجب النقاش حول إدارة الكوارث والوقاية منها والمسؤولية عن التعامل مع الحرائق.

وتستند الحجة الحقوقية الأساسية إلى طبيعة عقوبة الإعدام نفسها: فإذا وقع خطأ قضائي بعد التنفيذ، يصبح تصحيحه مستحيلًا. لذلك يطالب المعارضون بعقوبات مشددة، قد تصل إلى السجن المؤبد، بدل عقوبة لا يمكن الرجوع عنها.

كما يأتي النقاش الجزائري في اتجاه معاكس لمسار دولي متزايد نحو وقف التنفيذ؛ ففي ديسمبر 2024 صوتت 130 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح قرار يدعو إلى وقف عمليات الإعدام تمهيدًا لإلغاء العقوبة، مقابل 32 دولة عارضته و22 امتنعت عن التصويت.

بين الردع والحقوق.. معركة أبعد من القانون

لكن الخلاف الجزائري يتجاوز في جوهره النص القانوني. فالمؤيدون ينطلقون من حق الضحايا والمجتمع في القصاص والردع، بينما ينطلق المعارضون من الحق في الحياة وخطر الخطأ القضائي وعدم قابلية العقوبة للتراجع.

وتزيد حساسية القضية لأن العودة إلى تنفيذ الإعدام في الجزائر لن تكون مجرد تشديد لعقوبة جنائية، وإنما ستعني عمليًا إنهاء سياسة استمرت نحو 33 عامًا، وتحويل الجزائر من دولة تُبقي الإعدام في قوانينها من دون تنفيذه إلى دولة تستأنف تطبيق العقوبة فعليًا.

تطبيق الإعدام في الجزائر .. انقسام “يشنق” الطرفين